الجبايش مرآة أحلامي ج 2 / بقلم إنتزال الجبوري

 

فهد الاسدي في الجبايش

 

الجبايش مرآة أحلامي
(10)

إنتزال الجبوري

جولة في فضاءات الجبايش (1)

الى الجبايش عشي الأول، وموطنِ روحي: إليك مشاعري

سَعَت لكِ صورتي وأتاكِ شخصي
وسارالظلُ نحوكِ والجهاتُ
لأنّ الروحَ عندك وهي أصلٌ
وحيث ُالأصلِ تسعى الملحقاتُ
(أحمد شوقي)
......................................
إذا مرَّ يومٌ ولم أتذكّر
به أن أقولَ صباحك سُكّر
ورحتُ أخطُّ ُ كطفلٍ صغير
كلاماً غريباً على وجهِ دفتر
فلا تضجري من ذهولي وصمتي
ولا تحسبي أن شيئاً تغيّر
فحين أنا لا أقول أُحبُّ
فمعناه أني أحبّك أكثر
(نزار قباني)

أستشرفُ بعضاً من ظواهر منتقاة في محيط الجبايش، ومنها:

الفيضان
موضوع الفيضان يتطلب إلماماً به؛ والإلمام يقود الى البحث المفصل بأسبابه، ونتائجه التي منها خسارات بشرية ومادية كبرى، وهلاك المزارع، وانتشار الأوبئة، والأمراض البكتيرية، والناس يستفيدون من مياه النهر في الشرب، والاستخدامات الأخرى، وبسببه تنتشر الأمراض الخطيرة بينهم بسبب تلوثها بالنفايات، والأوساخ.
تتعرض مدنُ الأهوار سنويا خلال أشهر الصيف الى طغيان نهر الفرات؛ فيحدث الفيضان الذي يكتسح المدنَ، ويغطي الشوارعَ، والدوائرَ الحكومية، والمنازلَ بارتفاع يصل الى متر أو أكثر. 
ومع صغر سني كم كنتُ أشعر بصعوبةٍ أيام الفيضان. لكنَّ معاناة سكّان المنطقة سيّما الذين يسكنون الجزر عسيرة، وحالهم صعب جدا. الفيضان يتأهّب له أهل المنطقة قبل طغيانه؛ فيعدّون العدة من القصب والبردي، ويغطّون به منازلهم بشكل طبقات واحدة فوق الأخرى، وهم الأكثر تضرراً منا نحن الساكنين في منازلِ الآجر، وعلى المساحة اليابسة من المنطقة، وربما أيضا يختزنون المواد الغذائية إن وجدت تحسّبا للفيضان، وصعوبات التنقل فيه. كلما أتذكر الفيضان أفكّر كيف كان الناس يسلكون السبلَ الكفيلةَ بخلاصِهم من الأضرارِ الناجمة عنه الذي لا يسلم منه أحد. بالتأكيد الفيضان يؤثر تأثيراً مباشراً على مزارع الشلب، وباقي النباتات، وحتى على حركة التجارة، فنقل السلع والبضائع بين مدن الأهوار والمدن الأخرى فيه صعوبات. وكان مدير البلدية مسؤولاً عن حالة التأهّب والاستعداد للفيضان؛ فيأمر بتغطية الشوارع، والدوائر الحكومية، وكل الأماكن التي يكتسحها الفيضان بالبردي والقصب بشكل طبقات تغطي الماء، وتعلو فوقه؛ حتى يتسنى للمارة العبور، والمشي في الشوارع بشكل سهل. وأتذكر كيف كان المشي على الشوارع المكسوة بالقصب والبردي فيه مشقّة؛ لأن فيه تأنياً ومراعاةَ عدم الإنزلاق في الممرات المائية التي تكتسح الطرقات، والأزقة، كذلك الحذر من الأفاعي التي تظهر من بين القصب والبردي، ويطغي الماء على المنازل. يأمر مدير البلدية العمال بإنشاءِ منازل كاملة من القصب فوق سطوح منازل الموظفين المعرضة للفيضان. كانت أيام الفيضان ممتعة بالنسبة لنا نحن الأطفال، كنا نأنس بالعمال وهم منهمكون بإنشاء منزل كامل لنا من القصب وحصران القصب(البواري)، مع تذمر أهلنا من الوضع الجديد الذي يتطلّب نقل كافة أثاث المنزل الى سطح الدار ما خلا الثلاجة فقط. وكان والدي يجهّز منضدةً خشبيةً بارتفاع متر ونصف ويضع الثلاجة عليها، في إحدى غرف المنزل الغارقة بالماء، والماء يصل الى الشبابيك، ثم يضع مدرجاً خشبياً حتى يمكن تسلقه للوصول اليها. كانت والدتي باعتبارها المسؤولة الأولى عن المنزل تتعب كثيرا أيام الفيضان وتحسب أيامها يوماً يوماً. أتذكر كنا جميعا نستنفر في ذلك الوضع الصعب والمزري، والعمال ينقلون الأثاث كاملة الى سطح الدار، ونحن ننقل الاشياءَ الصغيرة فرحين بمنزل القصب. منزلنا في الطابق السفلي من الداخل كله يُغطى بالقصب والبردي حتى يمكن اجتيازَ ممراتِه الى الخارج. والدي كان قد جلب مبردةَ هواء تعمل بالكهرباء والماء ووضعها لنا وسط المنزل القصبي فوق السطح. كنا ننام على هوائِها إضافة الى ذلك فإن الجو كان في تلك السنين ليس حاراً جدا كما الآن. كنتُ مراراً حين تبعثني والدتي لأجلب لها شيئاً من الثلاجة يجب أن أجتاز الممر القصبي، جلّ خوفي حين أنزل من ظهور الأفاعي، التي لم تصادفني يوما واحدا طيلة وجودنا في الجبايش. وفي الأثناء تصادفني الأسماكُ بأحجامها المختلفة، وأمد يدي في الماء لأمسكَ بعضَها فتنزلق، وأطلق سراحَها، وتأخذ مسراها في النهر الذي اخترق منزلنا. كنت أراها بكل زهدٍ؛ لأن أبي زاهدٌ فيها، ولا يحب سمك النهر. حين أتذكّر حالَ أهلي أعجَبُ لزمانهم، زمان الخير، والزهد بما لا يتفق والذوق حتى ولو بشيء بسيط. العراق بلد الخيرات، الأسماك بأنواعها كنت أراها أيام الفيضان في منزلنا وباحته، وحواليه.الأسماك كانت تملأ المنازل أيام الخير، والرخاء، والطيبة، والنقاء، والمياه شاء الله لها أن تغرق الأرض، فالناس قد اختلفوا، وكل شيء قد انقلب على عقب، ويبدو هي مشيئة الله حين ينحرف الإنسان عن الخط القويم؛ فالبلاء حين يحل يحرق الأخضر واليابس (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا)؛ فقد جففت الأهوار وصارت الأرض يباباً كما روى لنا أهلها، بحيث حين يذهبون في عمق الهور لم يجدوا قطرة ماء واحدة في أعماق الأرض. وهور الحمار كان أكبر بحيرة أهوار في العالم.
في ممرات منزلنا كان جلّ خوفي من سمكة (القرقوش) فحين أسير أسير على الممر القصبي بحذر. كنا ننزل الى الطابق السفلي حين لا يوجد أبي أو أخي الأكبر؛ فنلهو ما شاء الله لنا بالماء والسمك والقوارب الواقفة، ونحذر من التوغل أكثر في الماء خشية الغرق.
وأتذكر كانت "منظمة الأمم المتحدة" تزود مدنَ الأهوار بالمواد الغذائية والأدوية وكل المواد التموينية الأولى. أول مرة نذوق فيها الحليب المكثف كانت أيام الفيضان، وكم كنا نحبه جدا لحلاوة طعمه. 
كانت "الجبايش " تدخل في حالة إنذار قصوى؛ فالتنقل في الشوارع والمنازل والدوائر ليس سهلا.
ومن الجميل أن أخي المرحوم(ياس) في إحدى مواسم الفيضان الصيفي كان قد صنع طائرة من نوع(هليوكوبتر) من القصب على سطح الدار، واستمر يصنعها لأيام وبشكل تدريجي، وحين أتمّها انبهرنا كلنا من المهارة اليدوية التي لديه في صنع تلك الطائرة الجميلة، وكانت طبق الأصل هي طائرة من نفس النوع، وأتذكر كان حجمها كبيرا بحيث استطاع ركوبها. وكانت أمنيته أن يصير طياراً، لكنه لم يوفق لأن شروط التقديم لكلية الطيران أن يكون الطالب منتميا لحزب السلطة وهو غير منتمٍ. 
وكم استمتعنا ببرامج التلفاز فوق السطح، وأول مسرحية رأيناها حين اشترى والدي التلفاز في عام 1968، هي مسرحية (البستوكه)، ووالدي كان يعمل لنا (الجيلي الأحمر)؛ فيصبه في قوالبَ، ويضعه في الثلاجة ؛حتى يبرد ونأكله مع حرارة الصيف. وأخي الأكبر كان يعمل لنا الآيس كريم فهو متمرس فيه ويجيده بإتقان. ورغم مرارتها كانت أيام الفيضان جميلة لنا نحن الصغار، فالطفل دائما يأنس للوضع الفوضوي، ووضعنا فوق السطح ومع المنزل القصبي كان فوضويا. كم لهونا فوق سطح الدار نحن الأخوة والأخوات معا. في إحدى أمسيات الصيف من عام 1969 في أيام الفيضان، جلس معي أخي المرحوم(ياس) يعلمني كيفية الصلاة الصحيحة، وكانت قدمي قد أُصيبت بمسمار من قارب وفيها ألم شديد وهو يُضمّد لي قدمي ويعلمني الصلاة، وعنه أخذتها فأتقنتُها في تلك السن، وصلّيتُ أمامه فوق السطح؛ فأثنى عليّ.
نمكثُ على هذا المنوال ثلاثة أشهر، وبعد أن ينحسر ماء النهر، يهب العمال وبأمر من قائمقام القضاء؛ فينقلون أثاثَ منزلِنا الى الطابقِ السفلي بعد القيام بعملية تنظيف شاملة له، وكلنا نشترك فيها بعد أن يفرغَها العمال من القصب والبردي. حيث تأمرنا والدتي بالتأهّب لغسل المنزل كاملا بالماء ومسحوق التايد من السقوف، وأتذكّر تذمّر والدتي من آثار الفيضان التي يتركها، حيث تصطبغ الجدران، والأبواب، والشبابيك بلون الماء والأوساخ التي يحتويها، ورش مسحوق الكلور بعد غسل المنزل الذي كان والدي يجلبه من دائرة الصحة في المنطقة، وندعه يجف ثم نرتّب المنزل تدريجيا؛ وكم نفرح حين ننزل الى الطابق السفلي، وذلك أوائل الخريف.
والدي كان لايستطيع أن ينقلَ العائلة خارج الجبايش كونه ملزماً بدوام يومي؛ لكنه يسفّر سنويا منا ثلاثة الى البصرة حيث عمتي الكبيرة رحمها الله كانت تسكنها؛ لنقضي في منزلها أشهر الصيف الثلاثة. إحدى سنوات الفيضان كنت بصحبة أخي الأكبر، وأختي الكبرى في سفرة الى البصرة عبر الهور في ماطور الماء؛ فمضينا فيها ثلاثة أشهر. وحين عودتنا كان أهلي قد انتقلوا الى منزل أبي حقي الذي يفصله عنا بيت واحد، والنقل كان عبر سطوح المنازل؛ لأن القائمقام حبّذ أن يكون النقل مباشرة بعد انحسار الفيضان، حيث تم نقل أثاثنا عبر سطح المعلمات ثم سطح المنزل الجديد.


المناخ السياسي في الجبايش
أول مرة أسمع بحزب أسمه (الحزب الشيوعي) في العراق، وتحديدا في أيام الفيضان يوم كنا فوق سطح الدار، كان عمري تسع سنوات، وكان أخي الأكبر يحدّث أمي به، رغم صغر سني لكن أخذني الفضول لأستمع لحديث أخي حول الحزب مع أمي. كلما ما أتذكّره من أمي كانت تحذّر أخي من الإنضمام اليه، وكانت نبرة صوت أمي فيها حذر وخوف وتتكلم بصوت منخفض فالحديث بالسياسة آنذاك يُعد من المحرمات، والناس حين يتحدثون عن السياسة يكون حديثهم بصوت منخفض مشوب بالهمس، وهي لا تعرف عنه شيئاً غير أنه حزبٌ سياسي اجتاح العراقَ أيام الستينات، وكان يسمونه (المد الأحمر)، وأمي حذرة وخائفة على أخي من الإنضمام اليه غفلةً عنها، ولم ينتمِ له فيما بعد. كنت طفلةً أجهل تماما هذا العالم بأكملِه.
أخي لم يتجرّأ بالكلام عن الحزب الشيوعي أمام والدي، بالتأكيد هو يعلم أن والدي تُعتبر هذه الأمور بالنسبة له خطوطا حمراء يُحرم الحديث بها.
والدي – رحمه الله - كان مهتماً بمعاملات الناس وتسهيلها، محباً للناس فأحبوه الناس، وعرفه القاصي والداني. ونظرا لأنه موظفٌ ملزمٌ بدوام يومي فزيارته للناس محدودة. ولا أعرف على وجه الدقة هل كان يلتقي بالعم الأديب (فهد الأسدي)، في الجبايش أم خارجها، أم لا؟ وهو قطعاً من أصدقائه فتاريخُ ولادتِهما واحد(رحمهما الله)، فضلا ًعن العلاقة العائلية الوثيقة التي تربطنا معا، ووالدي يحب نتاجَه الأدبي، ولا أعرف على وجه الدقة هل قرأ والدي النتاج الأول له (عدن مضاع)؟، وأقطع أنه قرأه فهو لا تفوته قصة الاّ وقرأها خصوصاً أديب قاص على مستوى (فهد الأسدي).
كانت سلطة الدولة آنذاك قد دخلت في صراعٍ مع كل القوى المعارضة اليسارية في خمسينات الى ثمانينات القرن المنصرم فكانت على أشدها. فمن استطاع الهروب، ومغادرة العراق من اليساريين غادر، ومن لم يستطع فالسجن والاعدام كان نصيبه أو الإغتيال، أو بقاءه تحت مجهر السلطة يراقبون حركاته وسكناته. من بين الذين اغتالوهم على حد تذكري إثنين من بيت الخيون وهما (جميل حسين علي) و(محسن هندال) وقد اغتالوهما في الهور، وكان أحدهما والد صديقة لي فكانت فاجعةً كبرى ألمّت بأهل الجبايش، فرغم صغر سني كنت أتألم لألمها حين أسمع عنها. وقد أُعدم آخر من بيت الخيون، وكان منتمياً لحزب الدعوة الإسلامية. وكثيرون من المعارضين اليساريين اغتالوهم بصورٍ مختلفة، والهور إحدى محطات التصفية للمعارضين السياسيين. ولم يكن للحزب الإسلامي أيُّ نشاطٍ بعد في مطلع السبعينات إذ كان مختصراً على الشخصيات الدينية المهمّة. فكان الحزب الشيوعي، وحزب البعث طاغييْن على الساحة السياسية في العراق بأكمله؛ فمن الطبيعي أن يلتهما الشباب؛ لأن الشباب هم طاقات التغيير، فضلا عن استعدادهم للتضحية، والفداء دفاعا عن قضاياهم الكبرى.
وأتذكر كانت هناك مسيراتٌ تجوب شوارع الجبايش تهتف بحياةِ حزبِ البعث الذي كنت لا أعرف ماهو؟ ومسيرات تأييد لفلسطين وجهادِها ضد العدو الإسرائيلي. فقط كنت أرى المسيرات ِوبرامجَ التلفاز أيام الصيف حين كنا نشاهدها على سطح الدار في الليالي، وكنت أرى فرقة الإنشاد العراقية تهتف بحياة حزب البعث على شاشة التلفاز، وأول أنشودة سياسية لحزب البعث سمعتها في احدى ليالي الصيف في الجبايش يوم كان عمري تسع سنوات وكان مطلعُها أتذكر هو:
احنا طليعة أمة عريقة تنادي شعبها وطنها أصيل
احنا الجيل اللي يبني طريقه مها كان طريقه طويل
احنا البعث البعث البعث البعث
وكنت أسأل والدي يعني ماهو البعث؟ يقول لي: بابا أنت صغيرة على هذه الأمور لا تعرفينها. لكن مع ذلك كنت أُصاب بالرعبِ والخوفِ من شيء أسمه البعث، ولا أعرف لماذا كنت أصاب بالخوف؟
الخوف من البعث هو الذي غرس في نفسي كرهاً للسياسة، والأحزاب على اختلافها، مذ كنت صغيرة، لذلك لم أنتمِ لأي حزب مع حرص وإلحاح بعض الأحزاب الإسلامية أيام شبابي للإنتماء اليها لحاجتها الماسة لأمثالي، لكنها كانت تواجه رفضاً عنيداً مني، والسبب كرهي للسياسة أولا، والثاني أحمل في نفسي صورة سيئة عن المنتمين للأحزاب بعامة علمانية كانت أو إسلامية وغيرها، لكونهم يحملون خصائص مشتركة؛ فالفوقية، والانطواء على الذات، وعدم قبول التعددية والاختلاف في الرأي، وضيق النظر بسبب التحزّب، والتحيّز، والتعصّب، هي صفات تخلق من المنتمي شخصا ايديولوجيا صعب المراس، وتلك صفات المنتمين للأحزاب قد اختزنتها في نفسي وكانت حائلا بيني وبين الانتماء، والإنضمام لأي حركة، أوحزب، أوتيار ما. وكل ذلك يتقاطع مع روح الانفتاح على الناس، ومحبتهم التي إتسمتُ بها، ونشأتُ عليها.
شيء أستدركه هنا، أن الست(خالدة الشاوي) كانت حينما تكتب لي كلمة الخطابة في مدرسة الجزائر للبنات لم تتعرض لذكر حزب البعث في ذلك الأوان، وكانت تقول لي عبارة أتذكرها: لا علينا، لا نذكر حزب البعث في كلمتنا؛ فلسنا سياسيين، لكن في كلمة الطالب (علي وحيد الأسدي) الذي كان يشارك في كلمة مدرسة الأسدية في المهرجان، فيها تبجيل، وتمجيد، وهتاف بحياة حزب البعث أتذكرها جيدا، كان في خاتمة كلمته يهتف: يعيش حزب البعث يا، يجيبه الناس: يعيش، ثم يا: يعيش ، يا : يعيش، ثم يعلو الهتاف والتصفيق. وأحمد الله أني لم أهتفْ بحياةِ حزب البعث لا في صغري، ولا في شبابي يوماً واحدا.

من هنا وددتُ أن أوجّه النصحَ لأبنائي وبناتي الشباب والشابات أن لا ينجرّوا وراءَ الأحزاب، والتيارات، والحركات السياسية التي لا هدف لها سوى تمزيق النسيج الاجتماعي، والتسلق على عرش السلطة، والاستئثار بخيراتِ، وأموالِ البلدان. كونوا أحراراً فالحرية ثمنها كبير، حينما تكون لا منتمياً عليك أن تأهّب نفسَك لتحمّل ألمَ الحرية، ورفضُ الإنتماء ليس سهلاً أبدا. هذا ما عهدناه نحن في زمن الديكتاتورية. أما في زماننا الحاضر فالوضع مختلف؛ الديكتاتوريات زمنُها ولّى، والعالم اليوم أصبح قرية ًصغيرة، والحريات مطلقة. وأظل أؤكّد على بعض أبنائي الذين أرى فيهم هوى الإنتماء لأحزابٍ ذات أقنعةٍ كاذبةٍ وأحّذرهم منها. أن تكون حرّا، تكون متحرراً من كل القيود، وأنت قائدُ نفسَك لا غيرَك...حراً في رأيِك، وفي أفكارِك، وفي طريقةِ حياتِك. هل ترضى أن تكون مقوداً لا قائداً؟ ومكبّلاً لا حرّاً؟
قادة الأحزاب همّهم التكثير والتحشيد والتأييد، والشباب وقودُ ثوراتِهم، فحين يعتلي القادة مقاعد السلطة يكون همُهم مصالحَهم ومصالحَ ذويهم وأنت بين خيارين بلا أدنى شك أنت الخاسر فيهما، إما كبش فداء له ولأسرته، أو في وادي النسيان. قليلٌ من قادة الأحزاب والرموز يزهدون في المنصب. أمثال (فهد الأسدي) قليلون جدا، ممن يرفضون السلطةَ والكرسي الفخم. 
توجهوا بكلِّكم لمستقبلِكم الدراسي فهو يبني بلدانَكم، ويهبكم الوعيَ العميقَ للنقد ومراجعة أداءِ الحكّام، والرافد الأول في ذلك والسلاح الكبير هو العلم. وكلما كنتم على درجةٍ كبيرةٍ من الوعي والثقافة استطعتم نقدَ نظامِ الحكم، والحكام على الدوام يخافون المثقفين ويحذرون منهم، لأن المثقفين الحقيقيين الشجعان هم الذين يثوّرون العقولَ أولا. تثوير العقول عاملٌ أساسٌ في كل عملية نقد وبناء أو إعادة بناء؛ فالعقول حين تنضج تنتقد كل الظواهر الخطأ. وحتى الإعتراض على أنظمة الحكم في بلداننا يكون بوعي وبصيرة. وإذا حظيتم بمناهجِ علوم إنسانية حديثة في الجامعة فذلك حسبكم وأنتم ذووحظ عظيم. في زمن الاستبداد في الدراسات الأكاديمية قُوّضِت العلومِ الإنسانية عن عمدٍ؛ لأنها تبث الوعيَ بين صفوفِ الطلبة؛ والوعي يقلب الطاولة على رأس السلطة؛ فكلما ترتقي العلومُ الإنسانية فإن خوفَ الحكّام يزداد لأنهم يخافون العقولَ في العلوم الإنسانية والنظرية، لذلك نرى في بعض البلدان أن العقولَ الإنسانية إذا اشتد الخناقُ عليها من قبل السلطاتِ الحاكمة تغادرُ بلدانَها، وبعضها والشجاعة منها تمكث تعترض، وتساجل، وتجادل، وتحاور، وتتحاور فيما بينها حتى تصل الى نقطة التغيير الحقيقية التي لا تنتج عن فراغ.
على الدوام تخفق الإعتراضات في بلداننا على أنظمة الحكم بسبب الجهل الكبير الذي يلف عملية التفكير بأنظمة الحكم، وكيفية إصلاحها. الثورات والإنتفاضات في بلداننا تحمل على الدوام فقط شعارات مزوقة براقة خاطفة همها بث روح الحماس الذي ما إن يفرغ شحنته يعود الى نقطة الفراغ التي انطلق منها فالثورات دائما تفشل في بلداننا؛ لأنها تحدث دون وعي وثقافة مسبقين، ووجود بديل، والسبب عدم نضج العقول وعدم وجود مختصين بالمقام الأول في العلوم الإنسانية النظرية ينتقدون ويكونون هم البديل. ليكن رافدكم الأول هو الإستعانة بالله تعالى أولا، وعلى وعيِكم، وإرادتِكم، وصبرِكم، وعزمِكم، وجهودِكم الحثيثة ثانيا. هذه نصيحتي لكم، نصيحة أمٍ لا تبتغي سوى مرضاة الله جل وعلا أولاً، ومصالح أبنائِها، ووطنِها ثانيا.


الأديب الراحل (فهد الأسدي) علامة فارقة في صفحة تاريخ نضال أهل الأهوار بشقيه الثقافي والسياسي
تجسّد تاريخ النضال لمدن الأهوار برمزٍ بارزٍ هو الراحل المجاهد (فهد الأسدي).
بعد اطلاعي على إرشيف يلخّص سيرةَ حياة الفقيد الراحل رفدني به مشكوراً نجلُه الأكبر الأستاذ الكريم (ليث فهد الأسدي) المحترم، أكتب ما جاء عنه في الإرشيف:
من هو فهد الأسدي؟
[[هو فهد محمود (مدفون) مطلك الأسدي. ولد في (الجبايش) التابعة لمحافظة ذي قار عام 1939.
في مسقط رأسه التحق بالمدرسة الإبتدائية والمتوسطة.
أكمل دراستَه الإعدادية في الناصرية. تخرج في الدورة التربوية بعد اكمال الإعدادية عام 1957، تخرج في كلية القانون والعلوم السياسية – الجامعة المستنصرية عام 1974- 1975. متزوج له أربعة أولاد ذكور، وبنت واحدة. 
زاول مهنة التدريس منذ تخرجه حتى تقاعده عام 1983، وبعد تقاعده زاول مهنة المحاماة في بغداد لغاية عام 2002 ، حيث أُصيب في أواخره بالجلطة الدماغية، حتى وفاته عام 2013.
كان يشغل عضوَ المؤتمر الثاني لنقابة المحامين، وعضو َاتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ الستينات، وعضوَ اتحاد الكتاب والأدباء العرب.
بدأ نشرَ أعمالِه الأدبية في مجلة المثقف البغدادية عام 1960، ومجلة الأقلام، ومجلة الآداب البيروتية.
أصدر ثلاث مجموعات قصصية( عدن مضاع 1969 – طيور السماء 1974 – معمرة علي 1995) و(رواية الصليب حلب بن غريبة 2008، عن دار الشؤون الثقافية بالتعاون مع اتحاد الأدباء العراقي).
عن دار النخبة المصرية صدرت له رواية ثانية عام 2018 (بعد وفاته) بعنوان (دارة الإحسان)، ومسرحيتان هما (ما في الهيمان عن دنيا العميان، صلاوات الإنتظار) وهما معدّتان للطبع، ومجموعة قصصية رابعة معدة للطبع بعنوان (عقدة غوردوس).
أُعادت دار ومكتبة عدنان طباعة مجموعته القصصية الأولى(عدن مضاع) أوائل العام الحالي 2019، وتشارك حاليا في معرض بغداد الدولي للكتاب 2019.
نالت أعمالُه الأدبية اهتمامَ الوسط الفني؛ فأُعدّت قصته (طيور السماء) لإنتاجها كفيلم عراقي في السبعينات من قبل الدكتور (عباس الشلاه) الاّ أن سلطة الإستبداد حالت دون إكمال العمل وأُجهض الفيلم.
نشر نتاجه الأدبي العديد من المجلات العراقية، والعربية، والأجنبية، وباللغات العربية، والانجليزية، والروسية، والفرنسية، والمجرية، والكرواتية.
تمت مفاتحته من قبل منتج أمريكي بواسطة الدكتور (شاكر نوري) المقيم في باريس (على هامش مهرجان كان السينمائي) لغرض انتاج قصته ( الشبيه) كفيلم سينمائي من إنتاج أمريكي، ولكن المشروع لم يرَ النور بسبب الحصار المفروض على العراق في التسعينات من القرن الماضي.
عن قصة (طيور السماء) للأديب الراحل أنتجت الفنانة (عواطف نعيم) مسرحية (مطر يمّه)، إخراج الفنان(عزيز خيون)، بطولة الفنان(جواد الشكرجي)، وعرضت في مهرجان المسرح العربي في بغداد عام 1990، ونالت اهتمام واستحسان النقاد. غير أن السلطة افتعلت حريقا متعمدا لايقاف عرض المسرحية التي لم تعرض بعدها، ومنع الأديب الراحل الأسدي من حضور، ومشاهدة هذا العمل المسرحي.
تُرجم العديد من أعماله الأدبية، والقصصية، الى اللغات الانكليزية، والفرنسية، والألمانية، والمجرية، واليوغسلافية، والكرواتية.
زار الاتحاد السوفيتي عام 1977، بناءً على دعوة من اتحاد أدباء الاتحاد السوفيتي سابقا.
رُشحت روايته (الصليب حلب بن غريبة) لمشروع ترجمة مائة رواية عربية الذي يضطلع به اتحاد الأدباء والكتاب العرب في القاهرة.
يتولى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق طباعة المجموعة الأدبية الكاملة له، وهو مشروع قيد الانتظار.
ميزة فهد الأسدي الإبداعية كونه يستلهم قصصه من شخوص بيئته التي عاش فيها، وهي البيئة الأهوارية الجنوبية التي جعلت منه قاصا، وروائيا مبدعا يشار اليه على أنه وريث الكتّاب العظام ك(دوستوفيسكي، همنغواي، غوغول، تشيخوف، ماركيز، وغيرهم).
حصد الفقيد جوائزَ عدة منها:
1- جائزة القلم الذهبي.
2- تم تكريمه أيضا في مهرجان (بيض الوجوه) عام 2004 للأدباء، و الشعراء الذين حافظوا على الكلمة الشريفة، ولم يجلسوا الى مائدة السلطان.
3- نال عدة جوائز، وشهادات أخرى من الجمعية العراقية للثقافة، واتحاد الأدباء العراقي.
4- تكريما له نال بعد وفاته جائزة وقلادة الإبداع الأدبي والثقافي مقدمة من الجمعية الأمريكية للثقافة والفنون والآداب في الولايات المتحدة، قام بتقديمها الى أبناء فهد الأسدي الأب (خوسيه) ممثل الكنيسة البابوية في حاضرة الفاتيكان في احتفال رسمي في العراق عام 2018.

هذا بالنسبة لنضال القلم. 
أما نضال سيف المبادئ فقد تجلى في:
"ملاحقة الثائر الأسدي بتهمة الانتماء لليسار عام 1956، أي منذ العدوان الثلاثي على مصر. كما بدأت ملاحقته سياسيا بعد تعيينه معلما في مدرسة الأسدية في قضاء الجبايش – لواء الناصرية آنذاك.
تمت مداهمة وتحري منزله في الجبايش من قبل الشعبة الخاصة(الأمن لاحقا) عام 1957.
بعد ثورة 1958، كان الفقيد عضوا ناشطا في حركة السلم، ورافق وفداً في احتفالات حركة السلم في البصرة عام 1958.
أُنتخب الفقيد عضوا في المؤتمر الثاني لنقابة المعلمين 1961 ممثلا عن الهيئة التعليمية في الجبايش والمدارس التابعة لها.
كما بدأت ملاحقته من قبل دوائر الأمن، والشرطة، واستدعاءاته المتكررة وتوقيفاته في البصرة عدة مرات.
تم نقله إداريا بموجب الأمر الصادر من مديرية معارف لواء الناصرية في 16/3/1961، بناءً على كتاب عاجل استثنائي من مديرية التعليم العامة الابتدائية الرقم س/1961 في 6/3/1961، حيث نقل الى مدرسة الجهاد في قضاء الشطرة، وفيها استمرت ملاحقته أمنيا، ومراقبته من قبل وكلاء الأمن، وفوجئ بصدور أمر نقله مجددا أيام مدير تربية معارف الناصرية(عبد المحسن) الى قرية نائية من قرى قضاء الرفاعي الى مدرسة التهذيب عام 1962، واستمرت إقامته في تلك القرية النائية.
خلال عودته في العطلة الى قضاء الجبايش تم الاعتداء عليه في مركز شرطة الجبايش وحجزه من قبل الأمن والشرطة وتم كسر نظارته في عينه(ذكر هذه الحادثة الدكتور رشيد الخيون في مقالة رثاء لأستاذه الأسدي)، ثم بعد ذلك أُطلق سراحه، وتم مرافقته الى قضاء الرفاعي من قبل الأمن.
قام انقلاب (8 شباط الأسود 1963- 14 رمضان) فاعتقل لمدة ستة أشهر، ومكث تحت التعذيب في مبنى أمن الناصرية لإرغامه على الإعتراف بانتمائه للحزب الشيوعي العراقي والتبرء منه، ورفض ذلك قائلا: عليكم إثبات صحة ادعائكم أولا وبعد سوقه للمحاكمة العسكرية العرفية التي تم انشاؤها بعد الإنقلاب، ثم أُطلق سراحه، وبقى محروما من مزاولة مهنة التعليم للفترة 13/2/1963 الى عام 1965، حيث أُعيد الى وظيفة التعليم بقرار عفو، ونقل من لواء الناصرية الى لواء ديالى مبعدا. الى أن تم نقله الى لواء بغداد بتاريخ 7/10/1967 الى مدرسة الإباء في مدينة الثورة (مدينة الصدر حاليا).
مكث مراقَبا من قبل الأجهزة الأمنية، وممنوعا من دخول مسقط رأسه (الجبايش) حتى سقوط النظام السابق عام 2003.
بعد إكمال دراسة القانون بدرجة جيد جدا عام 1975 قدم أوراقه لإكمال دراسته العليا في القانون لكن رُفضَ طلبه ولسنتين متتاليتين لأسباب سياسية حتى فوتت الفرصة إذ تجاوز عمره السن القانونية المسموح بالتقديم لإكمال دراسته العليا بعد ذلك.
وفي عام 1977 أُستدعي الى الفرقة الحزبية لمنطقة بغداد الجديدة لغرض دعوته للانضمام لحزب السلطة، ورفض ذلك قائلا: لايشرفني ان أجلس الى مائدة حزبكم خمس دقائق. واستمرت مراقبته من قبل الجهات الأمنية وأزلام السلطة حتى في اتحاد الأدباء العراقي الذي كان عضوا مؤسسا فيه.
وفي عام 1983، أُحيل الى التقاعد بعد مضايقات كثيرة من قبل السلطات آنذاك.
وفي زمن النظام البائد عُرضت عليه مناصب في وزارة الثقافة والإعلام لاستمالته، ورفضها وفضّلَ البقاء بعيدا عن الأضواء يعمل بصمت.
بعد تغيير عام 2003، عُرض عليه منصب القائم بأعمال وزارة الثقافة العراقية، ورفض العرض قائلا:(لا أستطيع أن أكون وزيرا لدى سلطات الاحتلال الأمريكي وأنا الذي قاتلت الرجعية، والاستعمار، والديكتاتورية، بقلمي وفكري منذ العهد الملكي، رغم فرحي بسقوط الديكتاتور) ]] (عن إرشيف التعريف بحياة الأديب الراحل).

تمثل نضاله بقلمه، والكاتب كما يُقال لا يحتاج الى السيف ليواجه الظلم؛ فالقلم هو الأقوى من كل سيوف الأرض.
لبث جالساً في صريفة القصب على أعتاب الهور لكن في صومعته البغدادية جندياً مجهولاً حاملاً قضيته في روحه يعمل بصمت خلف الأضواء دون ضجيج. ومعاناة أهله، وأبناء بلدته، وجلدته، والهور، كلها تجلّت في كتاباته.
و بعد التغيير عام 2003، احتفى به موطنه الحبيب (الجبايش)، بمهرجان أقيم تكريما له. زارها ربما أربع مرات أو أكثر كما حدثني الأخ الفاضل الأستاذ(رمضان عبد عذافه الأسدي، أبو فوزي حفظه الله)، عبر اتصال هاتفي معه، واستضافته المدرسة الإبتدائية الأهلية تكريماً له، وزار مضيفهم المهيب، وارتشف قهوته الجنوبية المحببة لنفسه.
انتقل للرفيق الأعلى يوم 7/1/2013، وبوفاته أُغلقت صفحة مهمة من صفحات كتاب تاريخ نضال الأهوار.
صاحب الكلمة الحرة، والمبادئ الثابتة التي رحل وهي حية تغلي في قلبه، ومعبرا عنها بأبلغ العبارة: (الثائر لا يصح أن يعمل بالتقية)، فالتقية بنظره نوع من الجبن الذي لا ينبغي للثائر الذي نذر نفسه لأمته. عاش عذابات أهله، وآلامهم، وآمالهم، واستبد به الحزن حاملا مبادئه، ومكث وفيّا لها ورحل مثقلاً بها. (رحمه الله بواسع رحماته وأسكنه فسيح جناته).
إختزنَ ألمَ عدنِه المضاع، معبّراً عنه في مقولته الشهيرة:
(إن جراحي هي بعضٌ من جراحاتِ الناس المحيطين بي. أناسٌ سلكوا نفس الدروب التي سلكتُها، وعانوا نفس الخيبة التي عانيتُها، وحاصرهم نفس قدر التاريخ الذي حاصرني، ولأني عجينة من أناتِهم؛ فتأملاتي لا بل تكويني النفسي لا يمكن فصله عنهم، وحتى لو سرحت بتأمّلاتي محاولا ًتحريرَ ذاتي من الضياع؛ فإن محاولاتي هذه أجربُّها، وأنا أتحسسُّ ضياعَ الإنسان المنشود لا ضياعي كفرد). 
(يتبع).

عدن مضاع تشارك في معرض بغداد الدولي للكتاب 2019

 

شاركت عدن مضاع المجموعة القصصية الأولى لفهد الأسدي والتي نشرت عام 1969 في معرض بغداد الدولي للكتاب بعد أن أعيد طبعها من قبل  دار ومكتبة عدنان . مودتنا والشكر لدار عدنان .

 

عدن مضاع

الجبايش مرآة أحلامي ج 2 / بقلم إنتزال الجبوري

 

 

مذكرات

 

الجبايش مرآةُ أحلامي 
(2)


بقلم: إنتزال الجبوري


وأنتِ عندي كروحي بل أنتِ منها أحبُّ
وأنتِ للعينِ عينٌ وأنتِ للقلبِ قلبُ


لديّ حالةُ حبٍ للشمس منذ طفولتي صيفاً وشتاءً لافرق، لدرجةٍ كنتُ أحدّقُ فيها يوم كنتُ صغيرةً، ونهاني والدي ووالدتي خوفاً على عيني من الضرر، ولا أحب الغيمَ مع ما له من دلائلَ خيرٍ للأرض وللإنسان، لأن الغيمَ منذ صغري ولما يزل يمثل عندي عاملَ ضبابٍ وتشويشٍ وحزنٍ لقلبي، والشمسُ تمثل عاملَ صفاءٍ وفرح. مكثتُ سنواتي الأولى من حياتي لاأعرف سببَ الحالة، بالأخص وأرى أمامي أقراني من البنات والبنين يفرحون بالغيم والمطر، مع حبي للمطر الذي هو خيرات السماء. في بعض الأحيان يهطل المطرُ مع وجود الشمس في كبدِ السماء فأفرح به، وهي حالات نادرة تحدث، وسببها قطرات مائية من بقايا غيمة في السماء.
بيني وبين السيّاب، تناغم ٌفي الشعور بالحزن عند نزول المطر، مع تباين الأسباب عندي وعنده. يصور السيّاب حزنَه(حزني)، في رائعته (أنشودة المطر):

أتعلمينَ أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر
وكيف تنشجُّ المزاريبُ اذا انهمر
وكيف يشعر الوحيدُ فيه بالضياع
بلا انتهاء- كالدمِ المراقِ- كالجياع
كالحبِ – كالأطفالِ- كالموتى- هو المطر

تارة أجدُ لحالتي تفسيراً؛ هو حلم أمي بالشمس وهي حامل بي، وأخرى حبي لشمس الجبايش المشرقة في سمائِها الزرقاء الصافية حين تسقط على الطبيعة الخلابة الجميلة ...على الماء والخضرة والنخيل وما كانت تبعثُ من لمعانٍ يخطف البصرَ فيزيد من جمال الطبيعة وسحرها الأخّاذ للروح؛ جعلتني أحبها بشدة لدرجة الهيامِ بها على امتداد أيام حياتي، وأحلامها التي تراودني في المنام لهذا اليوم، لدرجة حين أستفيق من رؤياها أُصاب بالضجر؛ وأود لو مكثت نائمةً لأستأنسَ وأستمتعَ بجمال الطبيعة الساحر وذكريات طفولتي. لكن تفسيرَ حبي لنور الشمس الذي ترسّخ في أعماقي مبكراً؛ و اكتشفته في أوائل شبابي، هو أني أحبُّ القيمَ النقية الخالصة والصافية المتمثلة بالشمس. أحبُّ الصدقَ المتجسدَ عندي بالحقيقة الناصعة من دون لفٍ ودورانٍ وكذبٍ وزورٍ وخديعةٍ، وعدم حبي ولاأقول كراهيتي للغيم لأن فيه خيرَ الله وغيثه ورحمته الى الأرض والحياة؛ الذي يمثل كراهيتي للقيم المزيفة التي يكتنفها التشويش، والاحتيال الذي ترتديه الأقنعة الكاذبة؛ يمثلها عندي الغيمُ وما يصحبه من ظواهرَ رعدٍ وغمزٍ ولمزٍ وظلامٍ يخفي خلفه الكثير؛ يمثلها البرقُ المخيفُ لي والمسببُ الحزنَ والغيمَ لقلبي.
هكذا رأيتُ نفسي وأراها على امتداد عمري، وحملتني على اكتشاف نفاقِ الناس سريعا، لذلك جاهدتُ في حياتي بإخلاص لتبقى قيمي خالصةً ناصعةً غير مشوشة، وهي حالة تلقّيتُها عن نظام تربوي متوازن، فيه شيٌ من الصرامة، يرتكز على أركانٍ أربعة:

أولها: المرحومة والدتي، التي ربّتنا بكرمِ قلبها الذي كان يَسَعُ الأرضَ والسماءَ، ومشاعرَها، وحكمِها البليغة وقيمِها الأصيلة والرصينة، فكانت قدوتَنا ومنارَنا في مشاويرَ حياتِنا. كانت تقف دائما عند الوسطية والإتزان في تعاملها معنا لتستوعبَ أبناءَها بالعدل والمساواة، وتحفظَ العائلة في نقطة التوازن. لامكان في قاموسها للكذب والتزوير والمكر والنفاق والفتن، وهي صفات ذميمة نهتنا عنها نحن أبناءها، لدرجة ترسّخت فينا بعمق حتى بلغت حدَّ عدم المساومة عليها ولو كنا على شفا جرفٍ هار.

ثانيها: المرحوم والدي، ملهم الحكمة والشجاعة والثقافة والحب والسلام، الذي ربّانا على المعاني والقيم والأخلاق النقية. أهم ماكان يؤكد عليه هو الصدق والإخلاص والجد والأمانة، فضلا على كونه هادئاً وديعاً مُسالماً. فكان شديدَ الحرصِ على مراقبةِ هذه الخصال، ويوقظُها في نفوسِنا على الدوام. وهو الحريص فوق الحد علينا نحن أبناءه، وكانت علاقتي به خاصة جدا فأنا أقرب بناتِه الى قلبه لكنه كان عادلاً وحذراً كونه أب عائلة كبيرة.

ثالثها: المرحومة جدتي، الجادة والحريصة والصارمة وملهمة الحكمة التي تسمعنا على الدوام تجاربَها وحكمَها الرصينة والمعبرة، وهي مربيتي وأنا القريبة والحبيبة لقلبها.

رابعها: المرحوم أخي الأكبر(ياس)، لم يكن أخاً لنا فحسب، بل أخٌ وأبٌ وملهمٌ روحيٌ ومعنويٌ وأخلاقي. نكنّ له الهيبةَ والاحترامَ كونهُ أخانا الأكبر فهو بمثابة أبينا نسمعُه ونطيعُه ولانزيغُ عن كلامِه. ترسّخت علاقتي به بقوة حين بلغتُ مرحلة الدراسة المتوسطة .
على هذه الأركان الأربعة ارتكز منزلُنا فتشكلت منه واحةُ أمانٍ، وسلامٍ، ومحبةٍ، وهدوءٍ، وسكينةٍ، وطمأنينةٍ، وتوفّرَ فيه جوٌّ تربويٌ مثاليٌ متميزٌ، وله عظيم الأثر في تنمية روح الإيمان الفطري الخالص في نفوسنا أنا وأخوتي، وتلقينا تديناً فطرياً، سليماً ،متوارثاً، ممزوجا بوعي وثقافة خاصين، فضلا على توفر جوِ حوارٍ هادىءٍ يُفضي على الدوام الى المحبة والتوافق وتوحيد الرؤى ومزيدٍ من الحميمية، تشبعت بها زوايا منزلنا فتشرّبتْها أرواحُنا ونحن في بواكير حياتنا، وامتد بنا الى اليوم كلما التقينا.
غادرتُ الأحضانَ الدافئةَ لهؤلاء الأربعة الأثيرين على نفسي، ولمّا أرتوِ منها، حيث بدأت محطةُ الزواج مبكراً في حياتي، ولوْ لم أغادْرها عاجلاً ربما كنتُ غير التي أكونُها الآن.
حملتُ حالتي هذه الى منزل الزوجية... الى زوجي، وأبنائي الذين يحتجّون أحيانا
ويُحاججون بقول الإمام علي(ع): لاتكرهوا أولادَكم على أخلاقِكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وأردّ عليهم: ولْيَكُنْ؛ طريقُ الحق صعبٌ حافلٌ بالأشواك. توَفَّرْنا على الذي حملناه في أرواحِنا ولايوجد في دواخِلنا سواه، فأسقيناكموه صافياً ليس كدراً، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ.
أسأل اللهَ أن لايحيدني عن الحق لآخر ذرةِ أوكسجين أستنشقها من الهواء، ويبعث فيّ القوةَ والثباتَ لئلا أخون ديني وقيمي، ويثبّت قدمي على قيم الخير لأتعامل بها مع الناس والحياة بصدقٍ، والأهم من ذلك كله أن لاتزلَّ قدمي يومَ تزلُّ قدمٌ بعد ثبوتِها.
أنا الوحيدة من بين إخوتي ولدتُ في الجبايش، أخواني الأكبر مني كلهم ولدوا في البصرة، والأصغر مني في الغراف.
رؤيتي للجزر المنتشرة والصرائف المشيدة عليها والمضائف أصابتْني بالهلع والخوف والكآبة والبكاء، فضلا على الشعورِ بالحزن، والوحشة التي استوطنت روحي لأني فارقتُ مدرَستي ومعلّمَتي.
للمعلم دورٌ وأثرٌ كبيرٌ في صنعِ شخصية التلميذ. بعض المعلمين يتركون بصمةً أبديةً في حياته وتلبث صورتُهم مطبوعةً في وجدانه مدى الحياة، ويمكثون قدوتَه في قادمِ أيامِه ومستقبلِه. ومن الطبيعي يعتمد هذا على طبيعة المعلم ومهارته في تربية وتعليم التلميذ، فالأسلوب في التربية والتعليم هو علم وفن لايتقنه كلُّ أحد. وبعض المعلمين أيضا تمكث صورةُ التلميذ المتميز مطبوعةً في وجدانهم. هكذا مضيتُ مع من علموني ألف باء العلم.
أول من انفتح عليه عقلي من رُسُلِ العلم؛ هي الست (أميرة) في الصف الأول الابتدائي الذي قضيت نصفه في ناحية الغراف التابعة لمحافظة ذي قار. كنتُ تلميذتَها المتميزة في الدرس والتحصيل. فعلا كنتُ أتمتع بسرعة البديهة وبمستوى عالٍ من الذكاء، الذي مكثتُ بسببه مبكراً في كهفِ غربةٍ منذ طفولتي بين بنات جيلي. فقط أصغي للمعلمة بالربع ساعة الأولى من الدرس، فأستوعبُه بسرعة وأولّي بوجهي نحو النافذة التي أجلس بقربِها.
المعلمة في كل مرة تبدأ بدرس القراءة الخلدونية؛ تستعمل الطباشير الملون للحرف الجديد، تخطه بأحدِ ألوانه، كنت أركّزُ فقط على الحرف الأول الملون، بعدها لاأركّز، فتوبّخني على عدم التركيز، وأُصابُ بالضجر من كثرة التكرار، واستخدام الطباشير الملون للأحرف، وهي حالة تجبرني على التحلي بالصبر الذي لاأعي منه شيئا في تلك السن، وأودُّ بعد الربع ساعة الأولى أن يرنَّ جرسُ الاستراحة وأخرجُ من الصف. كل حركة بطيئة من أصابع المعلمة على اللوحة؛ وهي تبذل جهدَها لتوصلَ الدرسَ كاملاً مفصلاً لأذهان الطالبات اللائي لايستوعبن سريعاً؛ ترهق روحي وتضغط عليها بشدة؛ كنت أشعرُها. هذا الشعور حقيقي الذي أقوله، أتذكره جدا، وحتى حين أتذكّره تتجسد في مخيلتي صورة معلمتي تكتب على اللوحة، وأستشعرُهُ وأنا أكتبُ هذه السطور. المعلمة تشرح الدرسَ و فكري شاردٌ الى جرس الاستراحة. ونفس الأسلوب تتبعه مع درس الحساب كذلك. يبدو إن الحرارةَ التي في قلبي لتغيير كل شيء بعد استيعابه وتمثله سريعاً وتجاوزه للإنتقال الى المرحلة اللاحقة؛ بدأت عندي منذ الطفولة، فالملامح الأولى لشخصية الطفل تبدأ بالظهور منذ الصغر. كنتُ أجلس في الرحلة الأولى. كانت لشدة ماتحبني تقف دائما بالقرب من رحلتي، وهو أيضا انذارٌ لي بضرورة التركيز على اللوحة لأني قدوة الطالبات. أكاد أطير فرحاً حين تقترب مني، وكنت أحبها جدا، بسبب ثنائها الدائم علي. كانت ترفع دفتري للأعلى أمام الطالبات حتى يتعلمن مني. وقعت صدمة ٌعلى رأسها حين أتى والدي بنفسه للمدرسة ليأخذ من إدارتها وثيقةَ نقلي من ناحية الغراف الى قضاء الجبايش، ويريد أن يختطف منها تلميذتَها الأثيرةَ لنفسها، وكان تحديداً يوم امتحان الحساب لنصف السنة. حين أتممتُ الإمتحان الذي كان آخرَ امتحانٍ لي، أتذكر كان الجو بارداً جداً، فأخذت المعلمة يديّ فوق مدفأة (هيتر) كهربائي دائري صغير لشدة ماكانت باردتين، واحتضنتني وأجهشت بالبكاء، وبكيت معها. بعدها بيومين أعطتني مديرة المدرسة نتيجةَ امتحان نصف السنة فكنتُ الأولى على دفعتي. أصبتُ بكآبة في تلك الأيام، كيف لي أن أفارقَ معلمتي العزيزة وهي كذلك.
الطفل لايحتمل المواقفَ المؤلمة لأن طاقتَه النفسية محدودةٌ لاتستوعب الألم. فارقتُ مدرَستي ومعلمتي الأولى على مضض. الست (أميرة) خالدة في وجداني لاأبالغ إذا قلت لهذا اليوم، ودّعتُها حزينةً باكيةً عليّ لأنها تريد بقائي لامغادرتي. كانت تتوسّل بوالدي أنها تضمن سكني معها في منزل المعلمات آنذاك ولا أغادر. 
المشكلة، الألمُ صعبٌ حين يستوطن الطفولةَ مبكراً. براءة الطفولة لاتحتملُ الألمَ الكبير. هو ثاني ألمٍ في حياتي أتلقّاه بعد ألمي الأول بفقدان أخي الصغير (عبدالرحيم) الحبيب الى قلبي البالغ من العمر سنتين، وكنتُ في الخامسة من العمر. كل ما أتذكّرُه منه بياضَ وجهِه وحمرةَ خديه. توفي إثر إصابته بمرض الحصبة اللعين. ترك فقدُه في نفسي منذ صغري ألماً كبيراً، كنت أحبه وأرعاه وأهزّه في مهده حين تكون والدتي منهمكةً بأعمال المنزل. 
استقبلنا في الجبايش الأخ الكريم الفاضل (الأستاذ رمضان عبد عذافة الأسدي)، الصديق الوفي لأخي الأكبر( ياس) ولبث صديقاً وفياً لعائلتنا من اليوم الأول لهذا اليوم. يعمل الآن مديرَ مدرسة أهلية في الجبايش. أولُ شخصٍ قابلناه فيها، فاحتضننا بخلقِه الكريم وروحِه الدافئة وقلبِه الطيب، وقدم لنا العونَ على تخطي الأيام والأشهر الأولى فيها، فكان يوضح لنا كل شاردةٍ وواردةٍ في الحياة الجديدة علينا.
في اليوم الثاني لوصولنا خرجت برفقة أخي وصديق طفولتي (ابراهيم)، منذ ساعة الفجر الأولى لنستطلعَ الوضعَ الجديد. منزلُنا مطلٌ على الشط. أخذنا الفضولُ لنكتشفَ الشطَ والماءَ ونلتفتُ يمينا وشمالا، فلا نرى الاّ الصرائفَ المتناثرة في النهر والنخيل المبهج للنفس في ساعات الصباح الأولى مع شروق الشمس بأعدادِه الهائلة وسط النهر، و المخيف منظرُه إذا ادلهمَّ مع شروع الليل. اغترفنا بعض غرفاتٍ من الماء ولهوْنا به برهةً من الوقت ثم دخلنا المنزل خائفين لخشيتنا على أنفسِنا، فالمنطقة جديدة علينا ونحن فيها غرباء.
أولُ إمرأةٍ زارتنا في دار إقامتِنا الجديدة جدتُنا العزيزة وأم وصديقة العائلة المقربة المرحومة والدة الأديب المرحوم (فهد الأسدي). فبمجرد رؤيتها لي عانقتني واحتضنتني أول إخواني، وقالت لي: إنتزال! أنت إبنتي، فشبكتُها وقبّلتُها. كانت نادراً ماتسميني بإسمي، الاّ اذا كانت جادةً بشيء ما تريده مني، تسميني بإسم الدلال نزلة، أو نزولة. وهكذا توالت زياراتنا المتبادلة، نزورها وتزورنا، وأكثر زيارات أمي لصديقاتها كنتُ فيها رفيقتَها الدائمة لكوني البنت الصغرى آنذاك، ولوجود بنات بسني فألهو معهن، وكنتُ رسولَها اذا همّت بزيارة أيِّ صديقةٍ؛ تبعثني صباحاً لأخبرَ صديقتَها بزيارة امي لها عصراً. كنت على الدوام أيام العطل المدرسية ألهو وصديقاتي على شاطئ النهر بالقرب من منزلنا ولاأبتعد كثيراً كما أوصتني جدتي وأمي خوفاً عليّ. وحين أبصر (بيبي أم فهد) عن البعد قادمة الينا، أعدو مسرعةً فأشبُكها وأقبُّلها، وهي تبادلني الشعور. كانت علاقتي معها خاصة أكثر حميمية من كل أخواني. أمي أوصتني أن إذا زارتنا جدتي عليّ تقبيلُ يديها الكريمتين، وهكذا مضيتُ على عادتي مع جدتي، وكنت أحملُ شعورَ الهيبةِ والاحترامِ لها. حين تزورنا أترك اللعب مع صديقاتي وأدخل المنزلَ لأجلسَ بقربها. كانت إمرأةً بسيطةً، ترابيةً، مائيةً، غرينيةً، طيبةَ الروح أحبّت الأرضَ ومن عليها، فأحبّتها الأرضُ ومن عليها، ووهبت نفسَها لخدمة الناس ولم تبخلْ عليهم بشيء، فكانت هي العمود الفقري لحياة النساء في الجبايش قاطبة ..هي القابلة الوحيدة، والطبيبة الشعبية. إذا زارتنا وغالبا ما كانت تأتي متعبةً فهي المنهمكة على الدوام في خدمة الناس، وكان يعتريني شعورُ الألم عليها حين أراها متعبةً، وأعاهدُ نفسي في كل مرة تزورنا أن لاأكون سببَ إزعاجٍ لها، بالأخص هي مشغولة بولادات النساء الليلية غالبا، أو تلبية حاجاتهن. تطلق لراحتها العنانَ في منزلنا وترفض استقبالَها في غرفة الضيوف لأنها أحدُ أعضاء أسرتنا، فترفض الجلوسَ على الأريكة وتفضّل الجلوسَ على الأرض، فالأحاديث عندها أطيب وألذ حين تكون عفويةً غيرَ متكلَّفةٍ، وتشرب الشاي مع؛ جدتي وأمي( رحمهن الله جميعا). يتبادلن الأحاديثَ وأنا جالسة إما بحضن (بيبي أم فهد) أو بجنبها. جدتي لأبي الصارمة في التربية كنتُ أخافُها أكثر من أمي، كانت تصبر عليّ فقط الربع الساعة الأولى من مجيء (بيبي أم فهد)، وكنتُ أقرأ في عينيها أنها غير راضية عن وجودي بينهن، فتغمز لي بطرف عينها وأمي كذلك، كنّ يوبّخنني بحجة أن جدتَك متعبة ويجب مراعاتها، لكن كنت أفهم أن من وراء ذلك مغزىً؛ هو ترك مجالسة كبيرات السن لأن مجلسهن لايليق بي وأنا طفلة، كذلك هي ثقافة نشأنا عليها؛ أن بقدوم الضيف يجب علينا إلتزام الأدب والهدوء ويُمنع جلوسنا معه لأنه غير لائق بنا نحن الصغار، فأحاديث الكبار مختلفة عن أحاديثنا، والخيار الأول لنا هو الصعود فوق سطح الدار واللهو معا، أو الخروج واللهو على الشط القريب منا، حتى أمور ضيافته تتولاها والدتي أو عمتي الصغيرة. جدتي (أم فهد) كانت ترفض طلبَهن وتصرّ على بقائي لأنها كانت تحبني وأحبّها بشدة وتردّ عليهن: أتركن إبنتي جالسةً بجنبي، وأنا متعلقة بها، ومشكلتي أني غادرتُ الجبايش ولم أرتوِ من حضن (بيبي أم فهد)، ولم أكتشف شخصيتَها أكثر، بسبب احتجاج جدتي وأمي، الدائم، وحتى حين نزورها أيضا من اللازم أن أقوم لألهو مع البنات اللائي بعمري ولم أجلس مع النساء، وفي منزلنا أرضخ لطلب جدتي بالذات وأترك المكان وأذهب أواصل اللهو مع صديقاتي. حين أراها تهّم بمغادرة منزلنا أعدو مسرعةً أشبكُ عليها وأقبّلُها.
مساحة الحرية لدينا نحن الصغار آنذاك ضيقة. علينا أن نأخذ الإذن في الصغيرة والكبيرة إذا هممنا بالخروج من المنزل، لخوف أهلنا علينا وحرصهم الشديد من أي موقف طارئ أو الضياع. لو كنت آنذاك أكبر من عمري لكنت آخذ إذنا من أهلي وأذهب بنفسي لمنزل جدتي(ام فهد) ومنزلها قريب منا، حين أكون فارغة من أي عمل.
برأيي أن بإمكان النساء بوجود طفل بينهن؛ اختيارَ حديثٍ عام، كأن يخترنَ موضوعا حياتيا ما ويتكلمن عنه، وليس بالضرورة أن يكون الحديث خاصا. الى أن يصل الطفل الى نقطة القناعة التامة بمغادرة المكان، عند ذلك يمكن التحدث بأي شأن خاص. ويتركن الطفل جالسا حتى تشبع حواسه ومشاعره من الجو الذي يحبه خصوصا بوجود شخص عزيز جدا. جيلنا مختلف عن جيل جداتنا وأمهاتنا، بوجود الأطفال ننتقي موضوعا ما ونتكلم به وإذا كان ثم شيءٌ فنتكلم برموز وألغاز نتفق عليها، أو التكلم بلغة أخرى. حين يبلغ الطفل مرحلة الإشباع، ويختار هو اللهو مع أقرانه نتركه ونفسح له مجال الحرية، ونأخذ راحتَنا بشتى المواضيع التي لايمكننا التحدث بها أمامه.
بعض صديقاتي في سنوات خلت سلكن نفس منهج الجدات والأمهات في التربية، كأن ترفض صديقتي جلوس إبنتها البالغة من العمر عشر سنوات معنا، لأنها تحب الجلوس معي مثلا، بالضبط مثلي مع جدتي(أم فهد)، وأحتجّ عليها بأن هذا الأسلوب خاطئ غير صحيح، وسيؤدي بالطفل الى حرمان عاطفي من شخص يحبه إضافة الى هذا أن ثقافة الطفل ليست لها حدود، فهي تُثرى من قنوات متعددة، إحداها مجتمع الكبار؛ فلربما فيه حديث مهم فيه فائدة له حتى لو لم يفهم لغة الكبار، ولربما فيه سلوك خاص، أو طريقة في التعبير، أو مصطلحات جديدة تلتقطها ذاكرة الطفل وتُختزن في وعيه وحتى في لاوعيه....
الطفل وفق منهج أهلنا يجب أن يكون كالآلة يتحرك وفق الزر الموجود فيها، فمتى ما ضُغط يتحرك ومتى ما ضُغط يقف، وهذه إحدى الأخطاء التربوية الشائعة في مجتمعنا. الطفل يحب الحرية، لايفهم ولايعي شيئا إسمه الامتثال والطاعة حتى بأدق الأمور. نعم مع تربية الطفل وتوجيهه وفق قيم وأخلاق خالصة وفاضلة، لكني لستُ مع رصد حركاته وسكناته. من حسن حظنا كان النهر القريب منا هو مساحة حريتنا في اللهو والأنس. منّ الله علينا بأبوين رائعين أقولها لابداعي المفاخرة فعلا كانا لايضغطان علينا بشيء، فالاثنان عاطفيان وليّنان ونحن مطيعون لهما، وهذا الأسلوب منهما له أكبر الأثر والدور في الاستقرار النفسي الذي نحمله أنا وأخوتي على امتداد حياتنا، لكن جدتي كانت صارمة بكل شيء وهو ديدن الجدات، غفر الله لهن. وطبعا ورثتُ الصرامة عن جدتي، وأنا شبيهتها في الشخصية مع أبنائي وفي إدارة منزلي؛ لكن صرامتي فيها بعدَ نظرٍ لاقطعية جدتي، التي كانت ذا كفتين، الأبيض أوالأسود، حتى الرمادي لاوجود له فيها. صرامتي فيها ألوان مختلفة مع لين نوعا ما، فالتربية عملية شاقة تتطلّب الصرامة سيما كنت وحيدة وغريبة الأهل والوطن، ولايوجد من يعينني على أبنائي سوى الله وأبيهم، وهو الدائم المشاغل على طوال الوقت، والتربية مسؤوليتها تقع بالدرجة الأولى على الأم. وبالنتيجة نلتمس العذر لجيل جداتنا وأمهاتنا اللائي عشن زمانهن الذي كان مبنيا على الجِدّية والحَدّية بكل شيء، ومما ساعدهن على ذلك وجود أبناء بارين خاضعين، فضلا على صفاء الحياة وخلوها من التعقيد آنذاك. جيلنا في التربية والتوجيه لديه خيارات عدة بسبب اختلاف الزمان واختلاف الأجيال أيضا. جيل أبنائنا خياراتهم أوسع ومسؤوليتهم أعقد منا ساعدهم الله وشدّ أزرهم، لأنهم مسؤولون عن جيل أبنائهم...جيل اللحظة الخاطفة، والمعلومة الانزلاقية التي بالكاد نقبض عليها أو لانقبض(..كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا..)..
(يتبع)

 

مذكرات سومرية (١) بقلم: انتزال الجبوري*

 

مذكرات

 

 

الجبايش مرآة أحلامي 
(١)

بقلم: انتزال الجبوري*

تنويه للقراء الكرام:

للرمز العراقي السومري الكبير الأديب الخالد المرحوم (فهد الأسدي)؛
ووفاءً للجبايش وأهلها الطيبين؛
ونزولا عند رغبة الأستاذ الكريم ليث فهد الأسدي المحترم؛
أكتب ما تجود به ذاكرتي عن الجبايش وخواطر طفولتي، وهي لم تتجاوز الخمس سنوات مضت فيها، ثم غادرنا.
استخدمتُ بعض الخصوصية ربما فيها كشف عن الذات في كتابة ذكرياتي؛ فكتابتها تستوجب الكشف عن الذات، لا بداعي المفاخرة والغرور بالتأكيد، تتخللها أفكار تولد بالأثناء، وفيها استرسال كثير ربما يثقل على القارئ الكريم، لأني أفكّر بإدراجها في كتاب سيرة حياتي.
نشأتي في أسرة مدنية، مثقفة، متدينة غير متزمّتة، منفتحة، ومُحبّة للناس على اختلافها، سيلمس القارىء الكريم تجسيدا لها من بين أسطر خواطري، ولايتفاجأ.
هي بضاعة ناقصة، والنقص فينا نحن البشر، والكمال المطلق لله الواحد الأحد. ربما لم أبدع في السرد لأنه ليس في دائرة اهتمامي ولستُ قاصةً ولاأديبةً. أهتم بطرح الفكرة أكثر من أي شيء آخر حين كتابة ذكرياتي. أترك إكمال مافاتني لأخي الأكبر مني الأستاذ (عباس الجبوري) حفظه الله، ليسعفني بذاكرته اليقظة كونه الأكبر فيحمل المعلومات الأكثر مشكورا. كذلك سأبعث نسخة منها للأستاذ (رمضان عبد عذافه الأسدي) حفظه الله صديق العائلة، وهو الأكبر سنا ليتحفني بما كان خارج دائرة السرد مشكورا.
وأنا أكتب هذه السطور، تلقيتُ ليلا من أخي الأستاذ(عباس الجبوري) رسالة تُنبئ بوفاة الأستاذ(أسعد عبد الله) عن عمر ناهز الخمسين عاما، ابن أخ الأستاذ(رمضان عبد عذافه) وابنته وحفيده في حادث سير، صُعقت للخبر وحزنت وتألمت، وحتى ما استطعت النوم. لله في خلقه شؤون، هذا الإنسان الطيب الدافئ الكريم؛ والمثقف. هو المسؤول عن صنع القهوة الخاصة ذات النكهة العطرة، يقدمها لنا من يديه الكريمتين، بحركات خاصة بثقافة المضيف الجنوبي، يبدو تلقاها على أهله؛ تُجبرك على شربها حتى ولو لم تشتهها. قبل عام زرناهم وكم كان متذمّرا من الوضع التعليمي الهابط في العراق وسوء أوضاع الطلبة الدراسية، يعمل معلم مدرسة ابتدائية، يعجبني حديثه الشيق عن المدرسة والتعليم. قال: إني أستخدم الصرامة والقوة مع التلاميذ وليكن مايكن، لأستعيد هيبة المعلم وليشعر الطالب بمسؤوليته تجاه نفسه وحياته، تغمده الله ومرافقيه بواسع رحماته وأسكنهم فسيح جناته، وأنزل النور والرحمة على روحه وأرواح المؤمنين والمؤمنات، وإنا لله وإنا اليه راجعون.


الى الجبايش:

الى واحةِ سكينةِ الروح

نقيةٌ أنتِ ... كمائِك .. ارتشفتُه عذباً فراتاً؛ فما ازددتُ الاّ ظمأً


الجبايش(الجزائر) منطقة غافية في دفء أحضان نهر الفرات المسترخي في بحيرة أهوار هي الأوسع في العالم؛ هور الحمار.
الماء والنخيل والقصب والبردي والصرائف، والغنى الآتي من الماء الذي فجّر الأرض ينابيع ((فسالت أودية بقدرها))، شكلت منها واحة ساحرة بالجمال الخلاب ومازادها غنىً طباع وأخلاق أهلها الدافئة الطيبة والصافية كماء فراتها الزلال؛ يعني حملت المادة والمعنى معا.
نحمل عنها وعن أهلها من أجمل وأعذب الذكريات الثاوية في وجداننا لهذا اليوم.
حطت رحالنا على ضفاف فراتها أواخر الستينات؛ بحسب وظيفة والدي (رحمه الله) التي تتطلب الإنتقال حسب قوانين العمل الوظيفي، فجر أحد أيام شهر كانون الثاني(يناير)عام 1967، كنا قد أتيناها من مدينة مختلفة عنها تماما هي (الغراف) التي تبُاينها بكل شيء، سوى مساكن الموظفين الغرباء القادمين من خارجها.
كنت صغيرة في السادسة من العمر وفي الصف الأول الابتدائي. مجرد رؤيتي لها أُصبت بالخوف المشوب بالضجر، لأنها لاتشبه الغراف التي وعيتُ فيها نفسي، وفي مساكنها وشوارعها المختلفة عنها اختلافا تاما.
لكوني طفلة؛ كان تصوري أن كل المدن يجب أن تكون متشابهة، وصفات المنازل أيضا متطابقة، فالأرواح تسكن حيث تسكن الأجساد وترتاح.
انطباعي الأول عنها كان انطباعا طفوليا بريئا غير مقصود؛ أنها منطقة قديمة منتمية لبطون التاريخ، وهي متخلفة ومتأخرة كثيراً عن ركب الحضارة.
المنزل الذي سكناه لايشبه منزلنا الكبير الفارِه في الغراف الذي كانت مساحته بتقديري (600-500) متر مربع. حديقة منزلنا الغناء التي تركناها في الغراف لاتوجد نظيرتها في منزلنا الجديد في الجبايش.
المنزل الجديد كان صغيرا بتقديري مساحته (150) متر مربع، مطل على الشط. يبعد عنه مسافة متر ونصف الى مترين. منازل الموظفين والدوائر الرسمية كلها تقع على المساحة اليابسة في المنطقة وطبعا مشيدة بالآجر حالها حال كل منازل الموظفين في أي منطقة أخرى، غير أن منازل أهل المنطقة المشيدة من القصب والبردي تقع على الجزر المتناثرة في النهر وعلى مد البصر.
نزلنا من البلم الكبير جدا الذي أقلّنا اليها من الناصرية يُسمى آنذاك (الكعد)، ولاأعرف لماذا بالكعد أتيناها ولم نأتِ بالسيارة. لكني فهمت بعدها أن الطريق الذي يربط الناصرية بالجبايش آنذاك لم يكن مبلطا، فخاف والدي علينا من هطول المطر الذي يتسبب بحوادث الطريق لأنه سيغدو طينيا، ونحن في الشتاء.
ما أثار فيّ الرعب والكآبة حين نزولنا من الكعد هو تصوري أننا سنسكن وسط النهر وفي الصرائف، وأخاف الغرق والموت. كان شعوري تماما هو كما تصفه الآية الكريمة ((كأنما خرّ من السماء فتخطفه الطيرُ أو تهوي به الريحُ في مكان سحيق)).
حب الحياة والناس بدأت ملامحه تبدو عليّ منذ طفولتي. خوفي من الغرق هو خوفي من الموت ومفارقة الحياة التي أحبها.
هذه المنطقة بالذات تجعل المرء يحب الحياة والخلود فيها لأن الأرض فيها معطاء، تدلّل الإنسان، فلا يشغله شيء سوى خيالاته وأمانيّه ورومانسياته، لذا فلا عجب حين يبحث فيها أتونابيشتم عن الخلود. ولو كان قد سكن صحراء الجزيرة العربية لما فكّر بالخلود وغيره، ولكان جلّ مايشغل همه؛ هو كيف يحمي نفسه من وحشية الصحراء وقسوتها وفقرها، وسيكون تفكيره حول كيفية الحصول على الغذاء والماء و حماية ومواراة نفسه عن اللصوص والقتلة؛ فهي أرض جرداء فقيرة تشغل الإنسان بمشاكلها، والقتال فيها على الماء والكلأ، فلا أمانيَ فيها ولاخيالات، ولا...
والخلود هو مفهوم ميتافيزيقي استقاه أتونابيشتم(نوح) كما تقول بعض الروايات التاريخية، من مفهوم خلود الإله، وذلك بعد خوضه تجربة الطوفان العظيم، الذي أقرّ بعده بأن الخلود للإله فقط، بعد أن غرق كل ما على الأرض ولم يبق سوى هو وزوجته ومن على سفينته، وقصّ قصته على كلكامش، بعد أن رآه حزينا على صديقه الفقيد(أنكيدو).
كان أتونابيشتم يبحث عن خلود مادي للجسد، كما ورد في ملحمة كلكامش، الذي أفقده الموت صديقه الحميم(أنكيدو)، حين يأس من عودته ثانية للحياة؛ فكر كيف يمكن للمرء أن يخلد، فبعث (أتونابيشتم) للبحث عن الخلود؛ فطفق يبحث عنه في نبتة أُبلغ عنها أنها في قاع النهر، ولما استخرجها منه؛ جاء يعدو مسرعا فرحا لصديقه بمحاذاة النهر، وفي الأثناء خرجت حية منه وأكلت النبتة التي بيده، فعاد الى صديقه (كلكامش)، مستسلما يائسا معلنا أن لاخلود للجسد المادي. وقيل أن كلكامش نفسه بحث عن نبتة الخلود بنصيحة من زوجة أتونابيشتم بعد أن رأت الحزن قد استبدّ به على صديقه، فدلّته على عشبة الخلود في قاع النهر، ولما عثر على النبتة وبينما هو يغتسل فيه خرجت له حية من داخله فسرقت النبتة، وعاد يائسا من رحلته معترفا في قرارة نفسه أن لاخلود للإنسان في هذه الحياة. هذا ملخص ما أعرفه عن القصة.
ويبدو أنه سقاني من روحه الباحثة عنه، فأُصبتُ بعدواه لأني ولدت في جنته وعلى ضفاف نهره الذي شهد رحلة البحث عنه .الخلود الذي أبحث عنه كما عبرت هو خلود معنوي لاعلاقة له بالمادة والجسد، فالجسد فانٍ، الخلود الذي أبتغيه بعد تقدمي في العمر هو خلود المعنى، يعني مكوث المعاني التي جاهدت نفسي على إبقائها حيةً؛ وكانت بوصلتي على امتداد أيام حياتي، بعد مغادرتي الحياة؛ والتي تعود بالفائدة والخير على الناس، لأني أحب التوأمين (الحياة والناس) وتحقق لي سعادة أخروية كوني كائنا ميتافيزيقيا متدينا.
النزعة للخلود المعنوي، كانت الزخم الذي يغذي مسيرة حياتي، التفكير بالموت ...موت الجسد أراده الله لنا أن نفكر فيه ونحن مؤمنون به((فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)). أما الروح فهي خالدة عند بارئها علما بأني مؤمنة منذ نعومة أظافري إن شاء الله، وأسأله تعالى أن يحتسبني من المؤمنين، وهو العالم بما تخفي الصدور. الخلود الذي أروم بلوغه ليس الذي يحلم به الطواويس الذين ملكوا الدنيا ونفشوا ريشهم بقيمهم المزيفة ليصفق من بعدهم المتملقون لهم، إنما هو خلود قيم كانت ثم تلاشت من دنيانا الحاضرة.
حب الله هو الطريق الذي سلكته... طريق ذات الشوكة، وهو ليس مزروعا بالورود؛ وحب عباده كيفما كانوا فالدين هو الحب، ونزوعي للخلود المعنوي هو حبي للبقاء معهم، لاطمعا بشيء سوى نشر قيم التراب، التي هي: الحب النقي الخالص من المصالح، والعفوية ، والحميمية، والعمل بجد وإخلاص في معترك الحياة، والتواضع ، ومسح دموع وآهات معذبي الأرض، لأن لاخلود ما لم تتمرغ روحك على التراب وتتشبع رئتيك بذراته و أنفاسك برائحته العطرة، فمنه خُلقنا وإليه معادنا.
على ضفاف الفرات بدت غفلة عني بواعث التوق للخلود وهو توق طفولي عفوي، كان يتجسد بحب الناس وتقديم العون لهم بأي شكل دون أدنى ملل أو كلل، فاكتسبت حب الناس لي مبكرا.
حب الحياة تجسد في نشاطي المفرط وفعاليّتي بكل شيء. مارستُ كل أنواع اللهو الطفولي البريء وأُشبعت منه نفسي، ولهو الطفولة مالم يكن مع التراب والماء فهو ناقص ويمكث ناقصا، ويسبب عقدا نفسية في المستقبل لدى الطفل، لأن الإنسان يحنّ دوما لأصل خلقته الذي هو التراب والماء. التأويل الوحيد لديّ لحالة حب التراب والماء، هو أن حالة الحب الفطرية هذه التي أودعها الله تعالى في الإنسان الذي خلق من هذين العنصرين، أراد بها للإنسان أن يُشبع حاجته لحب ذاته في صغره إشباعا تاما، ذاته التي تشكلت من هذين المادتين حتى يمكنه في الكبر إنفاق الحب لمن حواليه، فالذات المشبعة بالحب هي القادرة على منحه بإسراف لمن حولها، كذلك الإشباع من حب الذات مبكرا يحقق للإنسان استقرارا نفسيا على امتداد حياته. ومن لايشبع من اللهو بالتراب والماء لايشبع من حب ذاته ولايمنح الحب لمن حوله، ففاقد الشيء لايعطيه - هذا رأي شخصي -.
التراب والماء للطفل الساكن خارج منطقة النهر، والطين والماء للطفل الذي يسكن على ضفافه. ولهو طفولتي كان كله على شاطىء النهر لكن بهدوء، وأدب تلقّيته على كبار العائلة(جدتي، والدتي ، والدي، رحمهم الله جميعا)، ودون أن أكون سببا لأذى أو ألم أي أحد فكان أهلي والأقارب والأباعد يلقبونني ب(الحمامة). أكثر اللهو كان بالطين والماء. كنت أستخدم مهاراتي الخاصة وأعمل منه عشرات الأشكال المتعددة والمتنوعة من الدمى البشرية، والحيوانات، والفواكه المختلفة، والبيوت، والأواني، والأرائك، والأثاث المنزلية الكهربائية (الثلاجة، الراديو و
التلفزيون)، والأبواب، والشبابيك. من هذه الأشكال أشكّل وأهندس بيوتا جميلة كاملة من الطين، وأدعها تجف أياما وألونها ماشئت بألوان مختلفة، مع أخواتي وصديقاتي ونلهو بها دائما فوق سطح الدار، لأن لهونا يتطلب إنشاءَ مساكنَ متعددة بغرفها ومرتبة ترتيبا جميلا. ومما يساعد في ذلك أن معلمة الفن في المدرسة الإبتدائية كانت تطلب منا أن نعمل أشكالا من الطين، هي تحددها ونلونها بألوان مناسب وعليها نحصل على درجة درس الفن كاملة.
علاوة على ذلك كنت ألهو بالماء وألج في النهر ليس في العمق لأني أخاف ولست قادرة على السباحة. حاول أخي المرحوم(ياس) تعليمي السباحة في عمر التاسعة، لكن حدث له شغل شاغل ولم يكمل معي. قبل عودتي من اللهو؛ يجب عليّ بشرط من جدتي المسؤولة عني وهي مربيتي وأنا القريبة منها جدا والمحببة لنفسها، لها حق الأمومة عليّ؛ أن أغسل يديّ ورجليّ ونعلي من الطين قبل دخولي المنزل. وفي كل مرة تطلب جدتي مني أن لا يتسخ ثوبي حين ألهو به في الطين والماء فهي لاتقبل لي ذلك، لأن من الصعب ذهاب بقع الطين منه، وتضطر في كل مرة هي وأمي الى استخدام مسحوق الكلور القوي الرائحة كان والدي يجلبه بأكياس ورقية تزودهم بها دائرة الصحة في المنطقة، يخلط مع مسحوق الغسيل آنذاك في عملية غسيل الملابس حتى تختفي البقع، وكم انسلخت أياديهن من استعمال الكلور الحارق من جراء عبثي بالطين . والملابس الجديدة يجب أن أحافظ على نظافتها لمجيء الضيوف. وفي كل مرة لاأسمع كلام جدتي وأمي وأتمرد عليهما بهدوء ورضا من دون أن أسبب لهما إزعاجا، وتمردي ليس صادرا من سوء أدب مني لكن يبدو هي من علامات الإصرار الشديد على الإتيان بفعل ما أراه مناسبا وبلغتُ درجة القناعة التامة به، كما أنا اليوم.
النساء اللائي يمارسن أعمالهن كل يوم على شاطئ النهر، كُنَّ يُسمعنني عبارات فيها تندّر وتعجّب؛ منها: أنتِ إبنة حضر ماهو شغلك بالطين، الطين لنا نحن أهل هذه المنطقة، ملابسك تتّسخ إدخلي في المنزل. لكني أُصر على البقاء.
يبدو كما فهمت من أهلي أن هذه المرة الثانية التي ننتقل فيها الى الجبايش، وقبلها كان في أواسط العام 1960، وهو الذي تولى فيه والدي أول عمل وظيفي يوم كانت أمي (رحمها الله) حاملا بي. فغادروها أهلي وأنا في عمر السنة الى الغراف.
روت لي جدتي لأبي، ووالدتي، وعمتي الصغيرة التي تكبرني بثمان سنوات أنّا كنا جيران والدة الأديب المرحوم الخالد(فهد الأسدي)، جدتنا الطيبة الحنونة الدافئة، التي أطلقتُ صرختي الأولى على يديها المباركتين، إذ كانت هي القابلة الوحيدة المتمرسة في الجبايش آنذاك. وهي أم وصديقة العائلة المقربة والحميمة لها. يبدو أني ولدت ُ بحضور إثنين من جداتي، جدتي لأمي، وجدتي لأبي. جدتي لأمي هي التي اختارت لي هذا الإسم. اشتقّته من رؤيا كانت أمي قد رأتها في المنام وهي حامل بي في شهرها الأخير؛ أن الشمس تنزل في حجرها بعد أن جاءها نداء من السماء سمعته يدعوها لأن تفرش ثوبها على الأرض لتستقبل الشمس. فامتثلت وفرشت ثوبها ونزلت الشمس فيه، بحسب رواية أمي حين نزلت الشمس في حجرها لم تعد تبصر شيئا من حدة نورها. وحين استفاقت أخبرت والدتها بالرؤيا. جدتي قالت لها: (أنت حامل ببنت مباركة و أسمها (إنتزال) لأن الشمس انتزلت في حضنك) (هذه نص العبارة لجدتي حفظتها عن أمي وأبي وجدتي لأبي). مما يثير دهشتي أن جدتي من أين أتت بالبلاغة واشتقت لي هذا الإسم علما أنها لم تدرس في مدرسة؟!!.
حين كبرتُ فهمتُ ذلك من منطق جدتي لأبي ووالدتي اللتين كانتا على الدوام تسمعانّي حكمهما البليغة، فأقول لهن: إذا كان هذا منطق جدتي وأمي إذن لاغرابة إن اشتقت جدتي لأمي رحمها الله إسمي. كان قصدها أن والدي للمرة الأولى يتولى عملا وظيفيا، فبحسب تفسيرها أن البركة حلّت في المنزل بولادتي.
جداتي على رواية أمي مؤمنات عابدات بفطرتهن السليمة العفوية. عارضتها جدتي لأبي وأسمتني (حنان) لأن الشمس بنظرها حنونة وهذا الإسم أجمل لي. وأسمتني فعلا حنان لسبعة أيام من ولادتي، لكن بعد ذلك انقلبت عليها جدتي لأمي وكانت مصرّة على تسميتي بهذا الإسم، وهنّ أخوات، صار سجال بينهن وربما حصل السجال بحضور جدتي (بيبي أم فهد)، أيهما ستحظى بتسميتي، وأخيرا انتصرت إرادة جدتي لأمي واستقر إسمي. وياليت إسمي بقى مستقرا على (حنان) لأن إسمي صعب لفظه وكتابته لدى أكثر الناس، وأضطر في كل مرة أكتبه بنفسي وأوضّح معناه، على امتداد عمري ، في كل مكان ... في المجتمع...في المدارس ... في الدوائر الرسمية...في المستشفيات؛ حيث يسألوني الناس عن معناه؛ آخرها كان قبل عامين في محكمة الكرادة ببغداد حين ذهبت بصحبة أخي أبي تكبير الأستاذ(عباس الجبوري)، لاستخراج وثيقة منها، فكانت في الدائرة موظفة جالسة في المكتب، سألتني عن إسمي: فأجبتها فاندهشت حين سماعها الإسم لأول مرة وعلى حد تعبيرها أنه جميل جدا، وبدت على وجهها علامة الإعجاب والارتياح، ودونته بالقلم على ورقة لديها، راودني شعور الغيرة على إسمي إذ أحب أن يبقى محافظا على فرادته في العالم العربي، ولاأحب أحداً سميّاً لي(هذه طرفة).
أينما وليتُ وجهي يسألونني عن معناه، والبعض يقولون لي: أن لديك أبا مثقفا أديبا ذا ذوق رفيع حين اختار لك هذا الإسم الجميل، وأقول لهم: أبي ليس له دخل بتسميتي؛ وإن كان معجبا بالإسم المقترح من قبل جدتي لأمي التي أسمتني.

(يتبع)
*سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة.

في حادث البصرة استحضرت فهد الأسدي .. هل سيجد صاحب (عدن مضاع) و(طيور السماء) في العشيرة بديلاً؟ رشيد الخيُّون

 

 

 

 

في حادث البصرة استحضرت فهد الأسدي .. هل سيجد صاحب (عدن مضاع) و(طيور السماء) في العشيرة بديلاً؟
 

رشيد الخيُّون

كان حادث مقتل ابن عمي فيصل الخيُّون بالبصرة، أستاذ الرياضة ثم المتفرغ للمشيخة، وراء كثرة من الهواجس والمراجعات، وتلمس الاغتراب مابيني وبين زمن العراق الحاضر، وأنا أعيشه مثل الفاقد الوعي منذ نحو ثلاثة عقود. قد لا يتوقف الأمر عند قتل إنسان قريب فمشارح المستشفيات وثلاجاتها ملأى بالقتلى، وعلى حد عبارة فقيه البصرة الحسن البصري (ت110هـ)، وهو يلخص زمن الحجاج بن يوسف الثقفي (هلك 95هـ): "ليس العجب ممَنْ هلك كيف هلك! وإنما العجب ممَنْ نجا كيف نجا"(الشريف المرتضى، الأمالي)! وفي ظلال هذا الوصف الذي يتواءم مع زمننا أيضاً، لايطلب من العشيرة أن تأخذ بكلمة مثقف متعال عليها، فالماضي السحيق كما نرى ينبعث من جديد لكن بغرابيبه. وما حكاية طائر الفينيق أو العنقاء، الذي يحترق ثم يخرج من وسط الرماد أكثر تألقاً وجمالاً، إلا أسطرة للمأساة، وتكثيف سراب الأمل والشروق، وهي لا تقل حضوراً رداً على قتلة الحلاج وقتلة عبد الكريم قاسم، ذاك يبعث بعد حرقه راكباً حماراً، وهذا يظهر في قرص القمر!
تكاثرت الخواطر عبر إتصال تلفوني، بعد انقطاع ثلاثة عقود من الزمن، مع القريب والصديق فاروق الخيُّون، حتى تحشدت لتصل إلى زمن ماقبل الثقافة، والوعي. كان فاروق طائراً متقاعداً تحطمت به طائرة (السيخوي) الحربية (صيف 1972) في صحراء السماوة، وفي المنطقة التي طالما قطنها المنفيون السياسيون، ولما رمى بنفسه وهبط بمظلته على الأرض فقد الوعي، وقال عند استجوابه حول الحادث، وكنا نحيط به في المستشفى العسكري بالبصرة: اصطدمتُ بحمار! وكان انبعاثه إلى الحياة أمراً لا يقل عجباً من انبعاث طائر الفينيق!

عاد بي الهاتف إلى زمن كان يشرح فيه معلمنا فهد الأسدي أعضاء رأس الإنسان، على وسيلة إيضاح: جمجمة وجدها في مقابر أطراف المدينة المتناثرة، وهي عادة تكون لأطفال أو لغرباء قتلوا فتحول الماء في وسط الأهوار إلى قبر طائف، أو لأموات الصابئة المندائيين، وكم تبدو رحيمة قبور الماء إذا خلا من الوحوش! كانت منطقتنا زاخرة ومباركة بالمندائيين، وما نعرفه عنهم أنهم لا يكترثون بالأجسام كاكتراثنا بها، لم يؤسسوا أضرحة ومزارات، ذلك لفلسفة دينية مؤداها: أن المحافظة على القبر، وشاهده باقة من القصب، لاتتجاوز الخمسة والأربعين يوماً، وهي فترة التهيئة لعروج الروح إلى السماء في سفن استلوا منها شكل القارب (المشحوف)، فبعدها لم يبق للجسد معنى، فهو مجرد طين وتراب عاد إلى أصله مثلما عادت الروح إلى منزلها السماوي. أما مانسمع عنه اليوم من مقابر للصابئة فهو مجرد منافسة مع المحيط.
كانت الجمجمة التي يقدم عليها فهد الأسدي درسه داكنة اللون، يخزنها بعد الدرس في صندوق في مكتب الإدارة، وليس هناك مَنْ يعترض على وجودها. يدرك المحيطون بساطة المشهد، وأن دراسة علم الأحياء والتشريح في كليات الطب يتم عبر جثامين الأموات! لكن عندما تدخل السياسة حافزاً للإيذاء تتحول تلك الجمجمة إلى جريمة يسجن بسببها معلمنا، ناهيك عن مهرها بتهمة الشيوعية! ومن ذلك اليوم، ونحن طلبة الصف الثالث الإبتدائي لم نر الجمجمة، وقيل لنا أنها دفنت في طينة ما. وبقينا نمر على باب الموقف المشبك لنرى معلمنا مقرفصاً عنده ينتظر الفرج، وهو الذي حبب الينا جهة اليسار. بعد الجمجمة كان الأكثر أثراً من معلمنا حمامة السلام الكبيرة، المعروضة على عرض الميدان وسط قصبة المدينة، وأمام مركز الشرطة، الذي كان من قبل قصراً لمشيخة آل خيون. كان هيكل الحمامة من صنع فهد الأسدي، وهي بيضاء كبيرة الحجم، وكأن النبي نوح أطلقها تواً. أتذكر ثبات فهد أمام تظاهرة من الدهماء اجتاحت الطريق صوب دار عمي طارق الخيُّون، رئيس البلدية (الرجعي) والمحسوب على العهد الملكي، وهو يردهم وهم يصغون له ولشيوعيين حالوا دون تقدم تلك التظاهرة للفتك بشيخ العشيرة، ومع ذلك احتفظ الشيخ برئاسة البلدية، وقد استبدل العقال والكوفية، لأنه موظف حكومي لايفرض تقاليده العشائرية على الدولة، بالبذلة الأوروبية! لكن تراجع الزمن إلى اللادولة جعل غازي الياور يستبدل البذلة بالعقال والدشداشة.
ظل فهد، ونحن أيضاً، ملتصقين بماضينا، نساير الكبير دون إغفال تكريمه بكلمة عمي، ودون تناسي تقبيل يده إذا أقتضت الضرورة، وخاصة شخص مثل ابن سالم الخيُّون الشيخ ثعبان الخيُّون. ولم نكن أولئك الثوريين الممتمردين هوساً ولفت نظر. بل كانت الثورية تسري في عروقنا هادئة وبمناصفة مع مضاداتها، من دون تصادم مع مشاعر وأحاسيس الآخرين. كانت العشيرة تقيمنا من أفواهنا، ولايترددون في احترام أهل اليسار، مع وصفهم دائماً بعبارة (أهل ثقافة). ولا أرى مصادمة بين يساريتي وما كان يراه والدي في تبدل الأحوال. سمعته قال لجمع من بني أسد: مثلما تتبدل الدنيا يجب أن نتبدل! وعندما سأله أحد أصدقائي الكربلائيين، وكنا ببغداد، كيف ترى بغداد بعد فراق المنطقة أجابه: "ألسنا نحن بالعراق"؟ ولم يعترض على زواج أخي من فتاة سُنُّية من الدليم، لكنه اعترض ثم وافق، لأنه أراد له زوجة من الأسرة، ولا أتذكر أنه طرح قضية المذهب عائقاً. وكم شيخ عشيرة كانت يساراً، أحدهم كان الشيخ غانم الخيُّون، عم المغدور فيصل، وكانت عشائرية والد فيصل خريبط فالح الخيُّون، الضابط القاسمي، تجمع بين التأصل في العشيرة والميل لليسار. وقد اعتقل في 8 شباط 1963، وسُجن لأنه رفض شتم عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي. وربما شاركت عشائريته في هذا العناد، لأن الشتم بأمر مذلة كإعلان التوبة تحت السياط! ومثل هذا كان الشاعر الشعبي مجيد جاسم الخيُّون متكوراً على يساريته وملتصقاً بالحزب الشيوعي العراقي مع غزارة حضور دماء المشيخة والعشيرة في عروقه. إلا إن كل هؤلاء لا ينزلون إلى مستوى مخاصمة الدنيا، والتراجع إلى ما قبل حاضرهم. أراها مسايرة عجيبة حقاً.
وعندما كتب فهد الأسدي "غْرَيَّبة و..." حاول أحدهم الوشاية به إلى آل خيُّون بأنه يقصد الإساءة بقصته، ورأيته مستفزاً وخجلاً من العتاب، وقدم تبريراته، وهو اليساري ومن زعامات أنصار السلام في المنطقة، بأن تلك القصة لاتعني أي إساءة، بقدر ما هي قصة استوحاها من واقع عائلة زنجية لدى آل خيُّون. قدم هؤلاء الزنوج من البصرة، حتى أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من عائلة الشيوخ، ولا يخفى أنهم أتراب ابن بحر الجاحظ (ت 255هـ). كانوا أقوياء في زمن المشيخة، التي انتهت رسمياً كسلطة إدارية السنة 1924، بعد قصف بريطاني بواسطة طائرات الهانتر، وكان والدي أحد شهود العيان. قال: نزلت دانة (قنبلة) عملاقة على نخلة شأشاء فارعة وبلمحة بصر غاصت في باطن الأرض، ولم يبق منها غير أطراف السعف! وقيل كانت دسيسة من وزير الداخلية آنذاك عبد المحسن السعدون (انتحر 1928) ضد الشيخ سالم الخيُّون، قصفت المنطقة والشيخ أُخذ منفياً إلى الموصل.
بدأ فهد حياته الكتابية، على ما يذكره جيلي، بقصة دارت أحداثها حول شجرة سدر ألقاها على مسامع طلبته قُبيل درس الإنشاء. كانت شجرة مخيفة وقت الغروب. كيف لا! والأموات كانوا يُغسلون بورقها بعد مزجه بالكافور! ثم نقل أسطورة الهور، التي مازالت تحيرني وتحير الناشئين في تلك الأجواء، إلى عالم الأدب. كان أحفيظ حارس إيشان (تل في داخل الماء وقيل أنها مفردة سومرية)، يحرس دفائن وكنوزاً من الذهب والفضة، وأشجار الفاكهة، التي مثيلها ورد في آيات قرآنية. كان أحفيظ يشجر ناراً، نراها ويتهيأ لنا واقفاً مهيمناً على أطراف البردي والقصب. ترك فهد التعليم، بعد حين من حادث الجمجمة، إلى المحاماة، بعد نيل المرتبة الأولى في كلية الحقوق- الجامعة المستنصرية ببغداد.
ربما وضع حادث معركة عشيرة بني أسد الأخيرة مع محافظة البصرة، بعد قتل سبعة من أبناء شيوخها، فهد الأسدي أمام تساؤل وحيرة يبعثان فيه زمن حمامة السلام العملاقة، وخطاباته اليومية بمحبة الأطفال، وتدشين ناد أدبي، أو مركز ثقافي في دار عشيرته. وهو يعلم ما أن يصدر كتاب له إلا ووصل إلى مسقط رأسه الجبايش، ونظر له أفراد العشيرة نظرة إعجاب و(نوماس)، أن ولدها المتفوه شق طريقه وسط جهابذة الثقافة والأدب وكُتاب الأدب السينمائي ببغداد. لم تكتسح، ولم ترد أن تكتسح، تلك الأيام مشاعر الناس تجاه الإمام الحسين بن علي، ولم تخطط لوقف الحزن السنوي بعاشوراء. بل العكس، كان يجاور خطاب فهد الثقافي خطاب الشيخ أحمد بن الشيخ عبد اللطيف، وهو يقف أمام الموكب الحسيني المتوجه إلى كربلاء، ويقول بعد 14 تموز للإمام الحسين: "سيدي صرنه أحرار موش بحكم استعمار، حي ابن قاسم صار.. يا علي". ويعلو مع حمامة السلام صوت الهازجين باسم الحسين "يحسين إعدل سكان الدنيا ولو مالت بينهَ". وكانت الأهزوجة من وحي الأمر الواقع، حيث يجتمع المحتفون بالمناسبة على ظهر سفينة تمخر عباب شط الفرات جنوباً صوب القرنة، ثم من بعد ذلك يتوجه الجمع إلى كربلاء. وإلا لم يركب الحسين سفينة! 
ما أحدثته دولة البعث في عقول العراقيين، من تعقيد لا ينتمي زمنه حتى إلى القرون الأكثر ظلاماً، جعل صاحب "عدن مضاع"، و"طيور السماء" و"الصليب" فهد الأسدي متوارياً ليس مشلول الجسد فقط، بل ومشلول الذاكرة، التي أحاول أن أحركها فيه بذكرى الجمجمة وحمامة السلام، وناديه الأدبي، واضطراره لمسايرة أحسن الأسماء، يوم قَدمَ على تغيير اسم والده (مدفون) إلى (محمود)، مثلما غيَّر صديق لطفولة وصبا أخي الأكبر حميد الخيُّون (أُعدم 1980) من عرنوص إلى اسم أقل غرابة، وللأسف نسيت الاسم الجديد، لا عطباً في ذاكرتي فقط بل لأنه كان منحولاً ومخلوقاً للمجاملة أيضاً. مع علمنا أن أجمل الأسماء هي المسماة من الأب والأم، فهما يعرفان الظروف في إطلاقها، مثل معرفة عبد الله بن عباس بأسباب نزول آيات القرآن وأسمائها.
بنو أسد وشيوخهم لم يشعروا بغربة تصرف من فهد الأسدي، ولا مَنْ شق طريق الثقافة والكتابة من أبنائهم ممَنْ حملوا اسم العشيرة ألقاباً لهم: المسرحي جواد الأسدي، والشاعر والصحافي: خليل الأسدي، والرسام كريم الأسدي، والشاعر كريم الأسدي، والأكاديمي سعيد الأسدي، والفنان رائد محسن الأسدي وغيرهم. فقد ظل هؤلاء في يسار مع واقعهم، فما زالت العشيرة تفتح عقلها للجديد، ولا تبدو متمسكة بداحس والغبراء، ولم تسع في تسيير البلاد بمفاهيمها، بقدر ما تجعل مفاهيمها جزءاً من الحل لا من المشكلة، فليس لهؤلاء مناكفتها أو التعالي عليها إلى حد الاستيحاش، فهي حصة من تاريخهم ونشأتهم الأولى. 
لكن ما حصل أن يلقي المثقف بنفسه في أحضان طائفته أو عشيرته، أو أي عصبة أخرى من الأزمنة الغابرة. فلا أخفي حماستي لأبناء عمومتي، من الأسديين المذكورين بدافع ذكرى الأصول، وأنا البعيد عنهم لثلاثة عقود، وأحمل حقدي على دولة وجماعات شريرة اضطرتني إلى تلك الهاوية، ولو لومضة زمن لا أكثر. وجدت بلندن مَنْ ذكرني بها، عندما كان الشيخ سامي اعزارة المعجون يناديني بلقب شيخ، وأنا غير المستغرق فيه مثل استغراقه هو وممارسته للمشيخة داخل المعارضة. لا أجد حقاً أو عدلاً في ثلب العشيرة لذاتها في زمن لا يعيش العراقي فيه بلا عصبة، لهذا عذرت أبناء عمومتي فلا دولة يلوذون بها، ومحافظ البصرة جزء من المشكلة. كانت ذاكرة آل الخيُّون مع دولة البعث مدماة: جميل الخيُّون، أمين الخيُّون، محسن الخيُّون، حميد الخيُّون، مازن الخيُّون. ولاتبدو ذاكرتهم مع اللادولة بأقل دماً. فماذا يكون ردي على احتجاج ابن عمي فاروق ضد تهدئتي ومحاولتي لتقديم العقل على سواه من الأسلحة. قال: قتلوا منا سبعة وهم مستمرون، وتريد منا التعقل؟ أنقتل في بيوتنا؟ المحافظ يعرفهم ويحميهم! 
هنا تذكرت ما قاله لي الأديب مير بصري، عندما ذهب يطالب محافظ بغداد خير الله طلفاح بشباب من يهود العراقيين، الذين خُطفوا من الشوارع! قال: لما قال لي طلفاح: لماذا تطلب مني البحث عنهم؟ قلت له: أنت محافظ بغداد ونحن سكان بغداد! عندها قال طلفاح: هذا منطق وأنا أحب المنطق! أنا محافظ بغداد وأنتم سكنة بغداد، ومن حقكم عليَّ المحافظة! وبحث عنهم وأحضرهم إلى بيوتهم سالمين. ما يطلبه العراقيون هذه الساعة، وفي زمن العبث، حتى ولو بقية من منطق خير الله طلفاح! لقد وصلنا إلى ما كنا نخشى منه، وهو المقايسة لا بين الفاضل والمفضول، أو بين الصالح والأصلح، بل بين الهابط والأهبط. هذا ما يحاصرنا جميعاً، ولامفر من قبول الأمر الواقع فليس هناك رماد يخرج منه طير الفينيق أكثر جمالاً.. وما على فهد الأسدي إلا الحلم بعدن مضاع، مبتهلاً أن لا تضيق مساحة الوطن إلى مضارب عشيرة وثقافته إلى مجرد تقاليد طائفة.


رشيد الخيون

قريبا /عدن مضاع / المجموعة القصصية الأولى لفهد الأسدي 1965

 

 

قريبا 

 

عدن مضاع

البحث
التصنيفات
إعلان
فهد الاسدي
الواقعية الملتزمة
التقويم
« فبراير 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28    
التغذية الإخبارية