طيور السماء* --- مساهمة من الاستاذ موفق إسكندر

 

الشكر الجزيل للمساهمة الجميلة من أستاذنا الفاضل موفق أسكندر --- أسرة التحرير.
-----------------------------------------------------------------------

--------
يطرق ُالأرض
يفيقها من غفوتها
حلب بن غريبه*
يناغي 
امرأتي 
أمرأة كل العصور 
أمسكي سكينك
وأجهضي 
حزناً
يدور
يلف ُكالحلم
ويطير بعيداً
مع دُخان كوخ
مهجور
-------
أتذكرين أخرَ
أحاديثنا
سيدي 
أتذكر حلمي 
الأخير
------------------
شخصية رئيسية في قصة طيور السماء ضمن المجموعة القصصية الثانية لفهد الأسدي ( طيور السماء 1976 ) كذلك هو الشخصية الرئيسية في رواية الصليب حلب بن غريبة 2008 لفهد الاسدي .
 

قصتي مع القصة ج1 -- فهد الأسدي

 

قصتــي مــع القصـة ج1 

تجربتــي الادبيــة

---------- فهد الاسدي ------ موقع الثقافة الجديدة 

سفر التكوين: في أصقاعنا لم يكن الناس يؤرخون تواريخ الميلاد سوى ساعات النحس، ففُلان ولد يوم حريق (ثكيلة) وهو حريق كانت قد أشعلته تلك الهبلاء فأكل نصف أكواخ القرية القصبية، وعلاّن ولد يوم الموج الأكبر الذي تطافت فيه مياه الفيضان حتى هددت سارية علم الحكومة يومذاك، لذا فحين سألت أُمي عن تاريخ ميلادي قالت: أذكر جيداً انك ولدت بعد اليوم السابع لمقتل ملك. كانت لاتعرف اسم ذلك الملك، لكنها تتذكر ان البعض كانوا يندبون صائحين:

يالغسّلت جسم الملك كلّي اشلكيت صوابه

ضربة عمد لوهوتيل لو قنبلة من أصحابه

ومن ذلك النعاء علمت انني قد اكون من مواليد الثاني من نيسان عام 1939، وربما ترك هذا الحديث بصمة مبكرة على ادراكي أو ألقت بي عواصفه مرغماً على شواطىء التاريخ والقصة، فأتجه اهتمامي بالسؤال لماذا يعترك الانسان؟. كانت فاتحة ميلادي انساناً مصرع ملك، وفاتحة ميلادي كاتباً بعد أقل من عشرين مصرع ملك أيضاً؟!!

* ولدت في بلدة الجبايش التي كانت وقتذاك جزراً منسية وسط أهوار وأحراش البردي والقصب الكثيفة، تلك البلدة كانت تظل مؤخرتها منقوعة في الماء عدة شهور من السنة. حين كانت جدتي الطيبة تهز مهدي القصبي وتهدهدني دفعت بي بهزة نشوة الى المياه، لم يبعدني عن الموت سوى صرخة نبهت جدتي الضريرة والآخرين، ومن ذلك اليوم تعلمت أنك كي تعيش لابد ان تطلق الصرخة بوجه الاختناق، وعرفت ان الكتابة ليست سوى نوع من الصراخ بوجه كابوس التراكمات التي تحاول أن تسد على الانسان دروب الخلاص!!..أنا مدين في كثير من صوري لذلك الهور العظيم المتخم بالمعاناة. مدين لأسراب الطيور الحذف والخضيري والبط الاسمر فيه. وأنا أرقب مواسم هجراتها للبحث عن الأمن والدفء والقوت وعن كل جديد. مدين لأسماكه وغيالمه وكواسجه وأفاعيه وهي تعلمني الحذر أثناء السباحة وسط التيار، وتدلني على الفكوك الفاغرة لألتهام الفرائيس.

مدين لعوالمه وأساطيره، منها اسطورة احفيظ وحكايات إنسانه الذي عايشته في طفولتي وهو يعيش في الكوخ السومري نفسه، ويستعمل القارب السومري نفسه، ويصيد بآلة الصيد نفسها، وان تبدلت صورة اليوم عن الأمس كثيراً، لقد أترع كأسي بصور معاناة ذاك الانسان وهو يواجه طبيعة قاسية ويقع في احبولة المرابين وتجار البواري، أو يسقط فريسة (الكنديرين) وهم متعهدو نقل عمال التمر الى جراديق البصرة، هذه البصمات المحفورة في ذاتي طبعت وشمها فظهرت في قصص (طعم للغيلم، أسعد طفل، نهر الجنوب). ذلك النهر الذي قلت ان على ضفافه الضحك حزنً، واللذائذ حزن. والعمل حزن. ومع كل ذلك يصر على ان يجري.

* يؤكد بعض المجذفين القول: لافضل لاحد بصنع الارض هناك حتى للآلهة، فمن زبد المياه وثقل الاقطال وزند الانسان صُنعت الأوطان.

استقرت الدودة المتطورة، وظلت تواصل الكدح بإصرار عنيد. ولا ادري كيف يتأتى لي الصلف أن ادير ظهري عن الصور وألغي ما انطبع على ذاكرتي منها؟

(هذا الانسان الذي كنت أخشى عليه من الغرق ثم خشيت عليه من الظمأ).

* هناك حيث كان يفسح الفرات دموعه المتعبات على صدر أرض الهور، فتمتد بطاح وبطاح، وبرغم سماحة هذا الهور وهدوئه وسلامه تثور هذه البطائح المائية أحياناً فتزمجر أعاصيرها، فتفتح امواجها الاشداق بوجه السفن المتعبة وبوجه الملاحين التائهين، أو المغامرين، أو الحمقى منهم، فيلبّون نداء المجهول. يوماً وأنا صغير ركبت هذه البحار المجهولة مغامراً. داهمني الأعصار فخفت فعلاً. ثم أدركت كم هو طويل طريق الخوف!. كدت أصير العوبة ذاك المجهول، لكنني تعلمت من تلك التجربة المريرة انه لكي تهزم الخوف من المجهول عليك أن تدجّنه بالكتابة - المواجهة..لقد علمتني موجة عدوة هذا السر منذ صغري!.

“جسد يمتطي صهوة الريح” قصة ناقل البريد.

* عش في الجنوب بالذات. وفي أهوار الجنوب بالذات. وفي الجبايش بالذات وفي قصبة الزنوج بالذات عندها ستفهم قصتي..وقصة الزنوج تلك جزرة يتجمع عليها تضامن أكواخ قصب تضم اسراً من الملونين. يتجمع في أسواق عيونهم حزن العالم كله. فمع القهر والاستلاب كانت تحاصرهم لغة اللون. الناس هناك طيبون يشاطرون ناس قصبة الزنوج أفراحهم وأحزانهم احياناً، الا انهم ولفرط الجهل يمازحونهم فيطلقون على جزرتهم “جزرة العبيد” وكان الكثير من ناس الجزرة هذه يصدقون كونهم عبيداً رغم ان الكثير منهم بلا سادة. وهكذا وجدت ضمن تجربتي ان ماهو أقسى من العبودية أن يصدق المرء دوماً كونه عبداً. ولذا فحين كتبت قصة “طيور السماء”، ثم رواية “الصليب حلب بن غريبة”. وجدت شخوصاً واقعية ظلت تعيش ضمن القهر البطرياركي، وما كان عليّ سوى ان اخلق منها شخصية تركيبية، ضمنتها كل رؤاي فما تتركه لغة اللون من سخام في ضمير الانسان. لذا أقرّ بأنني خططت، فعلا في هذه التجربة، لأن يتبني المستعبدون خلاصهم من خلال تجربة انسان استسلم كخروف للذبح بسبب تصديقه كونه عبداً وما درى أن خلاصه يجيء من خلال قطعه للسلسلة التي تقيده، وكفه عن مازوكيته وسوطه لذاته.

تهانينا!

إذا كنت تقرأ هذه السطور ، فهذا يعني أن عملية التسجيل كانت ناجحة وأنه يمكنك البدء في التدوين
البحث
التصنيفات
إعلان
فهد الاسدي
الواقعية الملتزمة
التقويم
« ديسمبر 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          
التغذية الإخبارية