المخيال الشفوي في السرد.. القاص فهد الأسدي أنموذجاً --- ناجح المعموري

 

 

ناجح المعموري

 

 
المخيال الشفوي في السرد.. القاص فهد الأسدي أنموذجاً

ناجح المعموري

 

انشغلت القصة العراقية بالمشاكل اليومية المألوفة ، وميزت بهذا الاهتمام منذ لحظة التبلور الفني الجيد ، ابتداء بمنجز عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر ... الخ وكان المواطن العراقي حاضراً بثقله الحياتي وقوته في مقاومة الضغوط الاجتما ـ سياسية. وتأتي تجارب العديد من القصاصين العراقيين وكأنها امتداد موضوعي لتجربة الجيل المؤسس، ومن هذه التجارب الفنية الجديدة ، غانم الدباغ وغازي العبادي وخضير عبد الأمير وفهد الأسدي وأحمد خلف وجهاد مجيد ... الخ وأعتقد بأن تجربة القاص فهد الأسدي أكثـر بروزاً لاختلافها عن التجارب الأخرى بسبب المواضيع المنتقاة والتي تبدو في قمة الحياة من حيث العلاقة المباشرة .

كذلك تميزت بشكلها السردي ولغتها المزاوجة بين اللغة العليا والوسطى ، فتبدو أكثر اقتراباً من المواطن أولاً ومتجاورة مع ما يحدث في الحياة والعوالم المختلفة ثانياً . لكن هذا لم يمنع القاص فهد الأسدي من العودة الى الماضي الذي ما زال حاضرا في المرويات اليومية ، وصاغ جزءاً مهماً من الذاكرة الاجتماعية / واليومية واتسعت مساحة الانشغال به ، ومثال ذلك حكاية "إحفيظ"  الشهيرة والتي مازالت حتى الآن حاضرة ، باعتبارها ذاكرة شفوية حرصت الجماعات المحافظة عليها وتغذيتها بالإبقاء على صفتها الشفوية وكأنها من المسميات الأولى المقترنة بفضاء الأهوار الواسع جداً . وتميز القاص فهد بالتوصيف الدقيق والتصوير الفني مع ملاحظة استهلال طويل في بعض قصصه، والملفت في قصة "المعجزة" اختيار فهد الأسدي للفضاء الموصوف الواسع للذي اخذ من ترامي جغرافية الأهوار ، حيث الدهشة والإعجاب [ نعق الطائر الغرنوق وهو يرف بجناحيه عائداً نحو الأعراش البعيدة ... ومر بعده سرب آخر من البط ، بط الأهوار السمر الريش ... كانت السقيفة تتيح له فرصة أفضل لمتابعة رحلة الأفول . لم يبق من قرص الشمس سوى جزء يلتقمه الأفق بتؤدة ، وعلى صفحة السماء الملامسة للأرض ، كانت إرهاصات النور التعبة تشكل لوحة غائمة بخليط من الأحمر ، والأصفر ، والأرجواني مدافٍ في دكنة خفيفة ... بوضوح كان يرى الحرائق التي أشعلها الهوارة صباحاً في أحراش القصب ، تتلوى أعناقها بفعل ريح غريبة هادئة ثم تشرب السماء دخانها المتبدد ، فيضيع في عالم اللا نهاية ] طيور السماء ص93 ..
المشهد الموصوف في هذا الجزء الافتتاحي لقصة المعجزة ، له مساحة واسعة تبتعد أكثر فأكثر لتصوير العلاقة بين الكائن وفضاء المكان المائي الذي منحه صفته المدهشة بالشفويات والأساطير التي استمرت يقظة في التداول وعاشت مئات السنين . كل العناية الفنية المبهرة ، لم تعطل العلاقة بين الكائن ومسميات الفضاء التقليدية ، كائن يختصر الأطفال بصوته ويتحول معبراً عنهم ، فالمشعل الرصين الذي يبرز فوق رؤوس القصب العملاقة هي القوة الجاذبة بحيويتها السحرية .
تثير فاتحة قصة المعجزة أسئلة حول الفضاء كما قلنا ، وحول اختيارات فهد الأسدي للمفردات بدقتها وشحنتها على الإثارة والدهشة وحركة الطيور عند الغروب ، وما يثيره في النفوس من حزن مؤقت ، وموروث ، وابتداء من لحظة جديدة من حياة الأهوار مساء المرتبطة بشفويات غزيرة ، وكانت حكاية "احفيظ" واحدة من تلك الحكايات ومركزها [ كان منظر الحرائق يسكب روعته على وحشة الأغوار ، إلا أن الجدي كان يشده صوبه / طيور ص96 .. العيون مشدودة لمعاينة اللهب الصاعد في قلب الأهوار ، ولم يعرف أحد منهم سبب تأخر احفيظ بأسطورته الشفوية التي ظلت قادرة على استقطاب الجماعات وإحياء تفاصيل مروية جديدة ، لتظل كرة الثلج تكبر ، كلما تدحرجت ومن هذه الشفويات الجديدة ، ما رواه " المعيدي " المكتشف لمجاهيل العمق المائي [ .... ما يراه جنة حقيقية على الأرض ... أكل حتى الامتلاء ثم تجول في أنحاء القصر العتيد / طيور ص99 ] تغيرت مهمة المعيدي ، من البحث عن فحل الجاموس الى الأكل واكتشاف تفاصيل القصر وما فيه من إغراءات كثيرة ، ومنها الذهب ، بدلالته الرمزية والاقتصادية ، امتلأت جيوب المعيدي وزورقه ، ولابد من صعود في الصراع الجديد بين الوافد المكتشف للأسرار وبين الطاقة الكامنة في السحر . فتعطل الزورق ولم يستطع المعيدي تحريك الزورق إلا بعد إعادة كل الذهب ، وتعطل الحلم بالثروة .
يبث القاص فهد الأسدي أسراره في قصصه ، عبر إشارات سريعة ، تفضي نحو عالم واسع في جغرافية الماء الواسعة ، ومن هذه الأسرار ـ التي تبدو عادية ـ المشحونة بتفاصيل الحياة واستمرارها في المستعمرات المائية ومنها مروية المعيدي ورحلة البحث عن فحل الجاموس . ومعروف بأن الجاموس من الحيوانات الأولى في الأهوار . والحياة فيها متحركة مثل سطح الماء ولابد من المحافظة عليها ، أو هي تحافظ على نمطها في الحركة والنمو والتجدد ، ويتم هذا وغيره من خلال فقدان المعيدي لفحل الجاموس تعطل كامل لنظام الخصوبة بسبب غياب المجال الفاعل بالتسافد الذي يفضي للانبعاث والولادة المتجددة دائماً . وهذه الثيمة لها قوة دلالية ، تضيء أهمية هذا النسق ـ الخصوبة ـ في فضاء الأهوار ، ويتسع كثيراً ليضيء صورته الأوسع في حياة الجماعات ، لكن المعيدي فشل في رحلة البحث عن محل الجاموس وشعر بإحباط وانكسار للحلم بعد إعادة الذهب كله للمكان ، وراكم القاص فهد الأسدي حكمته السردية في قصصه والداعية الى العمل وتقديسه والارتباط بالمكان واحترامه والدفاع عنه ، وعدم تدنيس الموروثات الاجتماعية التي صارت ذخيرة الجماعات ومرويات لتاريخهم الطويل ، هذا ما أفضت اليه قصص المعجزة / صلوات الانتظار / معمرة علي / الشبيه .
يذهب فهد الأسدي بعيداً في نثر أسراره العميقة بدلالتها واقترانها بفضاء الأهوار الواسع ومنها علاقة أمين ، الطالب الجامعي بالجدي ، وهي علاقة واضحة ولا تغفلها القراءة ، حيث تكررت الإشارة للجدي في قصة المعجزة القصيدة أربع مرات وفي لحظات التحول البنائي نحو عتبة التحول المساري الجديد .
نحن نعرف بأن الإله أنكي / آيا مؤول عن الأهوار والمياه في كل العالم الذي تصورته البنية الذهنية الأسطورية واختار مكانه تحت سطح الأرض ، وعرف بالآبسو حيث معبده . ومن وظائف الإله أنكي هي العقل والحكمة والكتابة وما تفضي إليه من تبدّيات . وأكدت بعض النصوص العراقية القديمة هذه الوظائف ، وأكثر النصوص حضوراً هي ملحمة جلجامش ، حيث لعب هذا الإله دوراً واضحاً في إعانة الإنسان في مواجهة الطوفان ، كذلك أسطورة "شوكاليتودا"  فلاح أنكي . ولقد اختارت البنية الذهنية الأسطورية السومرية الجدي رمزاً حيوانياً لأنكي / آبا بالإضافة للسمكة ، باعتبارها من تبدّيات وظائفه المائية . وحاز خصائص الإله واقترن معه كلياً ! " بعد أن كفت الضجة ، استدار أمين الى الجدي " ، " كان منظر الحرائق يسكب روعته على وحشة الأغوار ، إلا أن الجدي كان يشده صوبه "  " .. لكنه صم أذنيه ، لا يمكن إغفال العلاقة بين أمين والجدي غير الاعتباطية وبسبب وظيفتها الكاشفة عن تماهي أمين مع الإله انكي عبر حيوانه الرمزي وبالتالي المجاور لذا ظهرت شخصية أمين مغايره بتمثيلها للعقل النقدي " .
في الاختلاف والصراع مع الثقافة السلفية والتخلف الممثل لها بشخصية عبود الأعمى ، المولع بالنقلية والحفاظ على كل إرث الماضي ، لكن الصراع بين الاثنين ، بوصفهما ممثلين لأهم المجالات الثقافية والفكرية التقليدية المعروفة ، بل كان وظل الصراع هادئاً وخفياً ، ترشح عنه القصة بتموجات تحفيزية وتميز القاص فهد الأسدي بحركة رموز الخفية  أو الظاهرة أكثر من ولعه بالتصاعد التقليدي المعروف . وجسم أمين الصراع حول الشفويات الخاصة بالأسطورة المعنية باحفيظ .
[ ـ أما قلت لك : أن كتبكم لا تعلمكم
ختم الأعمى روايته بذلك . ضحك أمين ، وقال معاتباً الأعمى :
ـ ما زلت تحرق نفس البخور ... ليس في الحكايات شيء جديد ] ص100 //
جسم أمين الموقف من المرويات الخاصة باحفيظ من خلال الحضور العقل النقدي والثقافة المحفزة على التفكير .
[همس " عمار " بثقة شربتها روح أمين:
ـ انه هو ، عرفته من مشعله ... المشعل الذي لا يتدلى كعمود النور ، كما كنا نتصور ... بل ينبع من الأرض
ـ ولكن كيف تسنى لك أن تراه ؟
كنت بكل بساطة أنظر من على الأرض ، لا من السقيفة كما تنظرون ص 104] .
كانت شخصية عمار الأخ الصغير ذات تأثير في موقف أمين الأولى المصاغ بتأثير ثقافته الجامعية ، ولابد من دفعة قوية للجيل الجديد / المستقبلي التلميح لأفقه المستقبلي . ولذا منحه القاص فهد الأسدي فرصة الاقتراح وتفسير الموقف من العلاقة الأزلية مع احفيظ وحسم الأمر بالنسبة لهما واتفقا على ان الحياة تفضي لتصورات جديدة مع أحلام مستقبلية لا تتقاطع مع الحاضر .
[ هزت أمين الكلمات الأخيرة ، وأحس وكان ضياء مشعل أحفيظ يملأ الكون الرحب . أغمض عينيه واضعاً يده على ساعد أخيه . وهنا شعر انه غريب ، وقريب جداً منه ص104 ] .



 
التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
فهد الاسدي
الواقعية الملتزمة
التقويم
« ديسمبر 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          
التغذية الإخبارية