مذكرات سومرية (١) بقلم: انتزال الجبوري*

 

مذكرات

 

 

الجبايش مرآة أحلامي 
(١)

بقلم: انتزال الجبوري*

تنويه للقراء الكرام:

للرمز العراقي السومري الكبير الأديب الخالد المرحوم (فهد الأسدي)؛
ووفاءً للجبايش وأهلها الطيبين؛
ونزولا عند رغبة الأستاذ الكريم ليث فهد الأسدي المحترم؛
أكتب ما تجود به ذاكرتي عن الجبايش وخواطر طفولتي، وهي لم تتجاوز الخمس سنوات مضت فيها، ثم غادرنا.
استخدمتُ بعض الخصوصية ربما فيها كشف عن الذات في كتابة ذكرياتي؛ فكتابتها تستوجب الكشف عن الذات، لا بداعي المفاخرة والغرور بالتأكيد، تتخللها أفكار تولد بالأثناء، وفيها استرسال كثير ربما يثقل على القارئ الكريم، لأني أفكّر بإدراجها في كتاب سيرة حياتي.
نشأتي في أسرة مدنية، مثقفة، متدينة غير متزمّتة، منفتحة، ومُحبّة للناس على اختلافها، سيلمس القارىء الكريم تجسيدا لها من بين أسطر خواطري، ولايتفاجأ.
هي بضاعة ناقصة، والنقص فينا نحن البشر، والكمال المطلق لله الواحد الأحد. ربما لم أبدع في السرد لأنه ليس في دائرة اهتمامي ولستُ قاصةً ولاأديبةً. أهتم بطرح الفكرة أكثر من أي شيء آخر حين كتابة ذكرياتي. أترك إكمال مافاتني لأخي الأكبر مني الأستاذ (عباس الجبوري) حفظه الله، ليسعفني بذاكرته اليقظة كونه الأكبر فيحمل المعلومات الأكثر مشكورا. كذلك سأبعث نسخة منها للأستاذ (رمضان عبد عذافه الأسدي) حفظه الله صديق العائلة، وهو الأكبر سنا ليتحفني بما كان خارج دائرة السرد مشكورا.
وأنا أكتب هذه السطور، تلقيتُ ليلا من أخي الأستاذ(عباس الجبوري) رسالة تُنبئ بوفاة الأستاذ(أسعد عبد الله) عن عمر ناهز الخمسين عاما، ابن أخ الأستاذ(رمضان عبد عذافه) وابنته وحفيده في حادث سير، صُعقت للخبر وحزنت وتألمت، وحتى ما استطعت النوم. لله في خلقه شؤون، هذا الإنسان الطيب الدافئ الكريم؛ والمثقف. هو المسؤول عن صنع القهوة الخاصة ذات النكهة العطرة، يقدمها لنا من يديه الكريمتين، بحركات خاصة بثقافة المضيف الجنوبي، يبدو تلقاها على أهله؛ تُجبرك على شربها حتى ولو لم تشتهها. قبل عام زرناهم وكم كان متذمّرا من الوضع التعليمي الهابط في العراق وسوء أوضاع الطلبة الدراسية، يعمل معلم مدرسة ابتدائية، يعجبني حديثه الشيق عن المدرسة والتعليم. قال: إني أستخدم الصرامة والقوة مع التلاميذ وليكن مايكن، لأستعيد هيبة المعلم وليشعر الطالب بمسؤوليته تجاه نفسه وحياته، تغمده الله ومرافقيه بواسع رحماته وأسكنهم فسيح جناته، وأنزل النور والرحمة على روحه وأرواح المؤمنين والمؤمنات، وإنا لله وإنا اليه راجعون.


الى الجبايش:

الى واحةِ سكينةِ الروح

نقيةٌ أنتِ ... كمائِك .. ارتشفتُه عذباً فراتاً؛ فما ازددتُ الاّ ظمأً


الجبايش(الجزائر) منطقة غافية في دفء أحضان نهر الفرات المسترخي في بحيرة أهوار هي الأوسع في العالم؛ هور الحمار.
الماء والنخيل والقصب والبردي والصرائف، والغنى الآتي من الماء الذي فجّر الأرض ينابيع ((فسالت أودية بقدرها))، شكلت منها واحة ساحرة بالجمال الخلاب ومازادها غنىً طباع وأخلاق أهلها الدافئة الطيبة والصافية كماء فراتها الزلال؛ يعني حملت المادة والمعنى معا.
نحمل عنها وعن أهلها من أجمل وأعذب الذكريات الثاوية في وجداننا لهذا اليوم.
حطت رحالنا على ضفاف فراتها أواخر الستينات؛ بحسب وظيفة والدي (رحمه الله) التي تتطلب الإنتقال حسب قوانين العمل الوظيفي، فجر أحد أيام شهر كانون الثاني(يناير)عام 1967، كنا قد أتيناها من مدينة مختلفة عنها تماما هي (الغراف) التي تبُاينها بكل شيء، سوى مساكن الموظفين الغرباء القادمين من خارجها.
كنت صغيرة في السادسة من العمر وفي الصف الأول الابتدائي. مجرد رؤيتي لها أُصبت بالخوف المشوب بالضجر، لأنها لاتشبه الغراف التي وعيتُ فيها نفسي، وفي مساكنها وشوارعها المختلفة عنها اختلافا تاما.
لكوني طفلة؛ كان تصوري أن كل المدن يجب أن تكون متشابهة، وصفات المنازل أيضا متطابقة، فالأرواح تسكن حيث تسكن الأجساد وترتاح.
انطباعي الأول عنها كان انطباعا طفوليا بريئا غير مقصود؛ أنها منطقة قديمة منتمية لبطون التاريخ، وهي متخلفة ومتأخرة كثيراً عن ركب الحضارة.
المنزل الذي سكناه لايشبه منزلنا الكبير الفارِه في الغراف الذي كانت مساحته بتقديري (600-500) متر مربع. حديقة منزلنا الغناء التي تركناها في الغراف لاتوجد نظيرتها في منزلنا الجديد في الجبايش.
المنزل الجديد كان صغيرا بتقديري مساحته (150) متر مربع، مطل على الشط. يبعد عنه مسافة متر ونصف الى مترين. منازل الموظفين والدوائر الرسمية كلها تقع على المساحة اليابسة في المنطقة وطبعا مشيدة بالآجر حالها حال كل منازل الموظفين في أي منطقة أخرى، غير أن منازل أهل المنطقة المشيدة من القصب والبردي تقع على الجزر المتناثرة في النهر وعلى مد البصر.
نزلنا من البلم الكبير جدا الذي أقلّنا اليها من الناصرية يُسمى آنذاك (الكعد)، ولاأعرف لماذا بالكعد أتيناها ولم نأتِ بالسيارة. لكني فهمت بعدها أن الطريق الذي يربط الناصرية بالجبايش آنذاك لم يكن مبلطا، فخاف والدي علينا من هطول المطر الذي يتسبب بحوادث الطريق لأنه سيغدو طينيا، ونحن في الشتاء.
ما أثار فيّ الرعب والكآبة حين نزولنا من الكعد هو تصوري أننا سنسكن وسط النهر وفي الصرائف، وأخاف الغرق والموت. كان شعوري تماما هو كما تصفه الآية الكريمة ((كأنما خرّ من السماء فتخطفه الطيرُ أو تهوي به الريحُ في مكان سحيق)).
حب الحياة والناس بدأت ملامحه تبدو عليّ منذ طفولتي. خوفي من الغرق هو خوفي من الموت ومفارقة الحياة التي أحبها.
هذه المنطقة بالذات تجعل المرء يحب الحياة والخلود فيها لأن الأرض فيها معطاء، تدلّل الإنسان، فلا يشغله شيء سوى خيالاته وأمانيّه ورومانسياته، لذا فلا عجب حين يبحث فيها أتونابيشتم عن الخلود. ولو كان قد سكن صحراء الجزيرة العربية لما فكّر بالخلود وغيره، ولكان جلّ مايشغل همه؛ هو كيف يحمي نفسه من وحشية الصحراء وقسوتها وفقرها، وسيكون تفكيره حول كيفية الحصول على الغذاء والماء و حماية ومواراة نفسه عن اللصوص والقتلة؛ فهي أرض جرداء فقيرة تشغل الإنسان بمشاكلها، والقتال فيها على الماء والكلأ، فلا أمانيَ فيها ولاخيالات، ولا...
والخلود هو مفهوم ميتافيزيقي استقاه أتونابيشتم(نوح) كما تقول بعض الروايات التاريخية، من مفهوم خلود الإله، وذلك بعد خوضه تجربة الطوفان العظيم، الذي أقرّ بعده بأن الخلود للإله فقط، بعد أن غرق كل ما على الأرض ولم يبق سوى هو وزوجته ومن على سفينته، وقصّ قصته على كلكامش، بعد أن رآه حزينا على صديقه الفقيد(أنكيدو).
كان أتونابيشتم يبحث عن خلود مادي للجسد، كما ورد في ملحمة كلكامش، الذي أفقده الموت صديقه الحميم(أنكيدو)، حين يأس من عودته ثانية للحياة؛ فكر كيف يمكن للمرء أن يخلد، فبعث (أتونابيشتم) للبحث عن الخلود؛ فطفق يبحث عنه في نبتة أُبلغ عنها أنها في قاع النهر، ولما استخرجها منه؛ جاء يعدو مسرعا فرحا لصديقه بمحاذاة النهر، وفي الأثناء خرجت حية منه وأكلت النبتة التي بيده، فعاد الى صديقه (كلكامش)، مستسلما يائسا معلنا أن لاخلود للجسد المادي. وقيل أن كلكامش نفسه بحث عن نبتة الخلود بنصيحة من زوجة أتونابيشتم بعد أن رأت الحزن قد استبدّ به على صديقه، فدلّته على عشبة الخلود في قاع النهر، ولما عثر على النبتة وبينما هو يغتسل فيه خرجت له حية من داخله فسرقت النبتة، وعاد يائسا من رحلته معترفا في قرارة نفسه أن لاخلود للإنسان في هذه الحياة. هذا ملخص ما أعرفه عن القصة.
ويبدو أنه سقاني من روحه الباحثة عنه، فأُصبتُ بعدواه لأني ولدت في جنته وعلى ضفاف نهره الذي شهد رحلة البحث عنه .الخلود الذي أبحث عنه كما عبرت هو خلود معنوي لاعلاقة له بالمادة والجسد، فالجسد فانٍ، الخلود الذي أبتغيه بعد تقدمي في العمر هو خلود المعنى، يعني مكوث المعاني التي جاهدت نفسي على إبقائها حيةً؛ وكانت بوصلتي على امتداد أيام حياتي، بعد مغادرتي الحياة؛ والتي تعود بالفائدة والخير على الناس، لأني أحب التوأمين (الحياة والناس) وتحقق لي سعادة أخروية كوني كائنا ميتافيزيقيا متدينا.
النزعة للخلود المعنوي، كانت الزخم الذي يغذي مسيرة حياتي، التفكير بالموت ...موت الجسد أراده الله لنا أن نفكر فيه ونحن مؤمنون به((فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)). أما الروح فهي خالدة عند بارئها علما بأني مؤمنة منذ نعومة أظافري إن شاء الله، وأسأله تعالى أن يحتسبني من المؤمنين، وهو العالم بما تخفي الصدور. الخلود الذي أروم بلوغه ليس الذي يحلم به الطواويس الذين ملكوا الدنيا ونفشوا ريشهم بقيمهم المزيفة ليصفق من بعدهم المتملقون لهم، إنما هو خلود قيم كانت ثم تلاشت من دنيانا الحاضرة.
حب الله هو الطريق الذي سلكته... طريق ذات الشوكة، وهو ليس مزروعا بالورود؛ وحب عباده كيفما كانوا فالدين هو الحب، ونزوعي للخلود المعنوي هو حبي للبقاء معهم، لاطمعا بشيء سوى نشر قيم التراب، التي هي: الحب النقي الخالص من المصالح، والعفوية ، والحميمية، والعمل بجد وإخلاص في معترك الحياة، والتواضع ، ومسح دموع وآهات معذبي الأرض، لأن لاخلود ما لم تتمرغ روحك على التراب وتتشبع رئتيك بذراته و أنفاسك برائحته العطرة، فمنه خُلقنا وإليه معادنا.
على ضفاف الفرات بدت غفلة عني بواعث التوق للخلود وهو توق طفولي عفوي، كان يتجسد بحب الناس وتقديم العون لهم بأي شكل دون أدنى ملل أو كلل، فاكتسبت حب الناس لي مبكرا.
حب الحياة تجسد في نشاطي المفرط وفعاليّتي بكل شيء. مارستُ كل أنواع اللهو الطفولي البريء وأُشبعت منه نفسي، ولهو الطفولة مالم يكن مع التراب والماء فهو ناقص ويمكث ناقصا، ويسبب عقدا نفسية في المستقبل لدى الطفل، لأن الإنسان يحنّ دوما لأصل خلقته الذي هو التراب والماء. التأويل الوحيد لديّ لحالة حب التراب والماء، هو أن حالة الحب الفطرية هذه التي أودعها الله تعالى في الإنسان الذي خلق من هذين العنصرين، أراد بها للإنسان أن يُشبع حاجته لحب ذاته في صغره إشباعا تاما، ذاته التي تشكلت من هذين المادتين حتى يمكنه في الكبر إنفاق الحب لمن حواليه، فالذات المشبعة بالحب هي القادرة على منحه بإسراف لمن حولها، كذلك الإشباع من حب الذات مبكرا يحقق للإنسان استقرارا نفسيا على امتداد حياته. ومن لايشبع من اللهو بالتراب والماء لايشبع من حب ذاته ولايمنح الحب لمن حوله، ففاقد الشيء لايعطيه - هذا رأي شخصي -.
التراب والماء للطفل الساكن خارج منطقة النهر، والطين والماء للطفل الذي يسكن على ضفافه. ولهو طفولتي كان كله على شاطىء النهر لكن بهدوء، وأدب تلقّيته على كبار العائلة(جدتي، والدتي ، والدي، رحمهم الله جميعا)، ودون أن أكون سببا لأذى أو ألم أي أحد فكان أهلي والأقارب والأباعد يلقبونني ب(الحمامة). أكثر اللهو كان بالطين والماء. كنت أستخدم مهاراتي الخاصة وأعمل منه عشرات الأشكال المتعددة والمتنوعة من الدمى البشرية، والحيوانات، والفواكه المختلفة، والبيوت، والأواني، والأرائك، والأثاث المنزلية الكهربائية (الثلاجة، الراديو و
التلفزيون)، والأبواب، والشبابيك. من هذه الأشكال أشكّل وأهندس بيوتا جميلة كاملة من الطين، وأدعها تجف أياما وألونها ماشئت بألوان مختلفة، مع أخواتي وصديقاتي ونلهو بها دائما فوق سطح الدار، لأن لهونا يتطلب إنشاءَ مساكنَ متعددة بغرفها ومرتبة ترتيبا جميلا. ومما يساعد في ذلك أن معلمة الفن في المدرسة الإبتدائية كانت تطلب منا أن نعمل أشكالا من الطين، هي تحددها ونلونها بألوان مناسب وعليها نحصل على درجة درس الفن كاملة.
علاوة على ذلك كنت ألهو بالماء وألج في النهر ليس في العمق لأني أخاف ولست قادرة على السباحة. حاول أخي المرحوم(ياس) تعليمي السباحة في عمر التاسعة، لكن حدث له شغل شاغل ولم يكمل معي. قبل عودتي من اللهو؛ يجب عليّ بشرط من جدتي المسؤولة عني وهي مربيتي وأنا القريبة منها جدا والمحببة لنفسها، لها حق الأمومة عليّ؛ أن أغسل يديّ ورجليّ ونعلي من الطين قبل دخولي المنزل. وفي كل مرة تطلب جدتي مني أن لا يتسخ ثوبي حين ألهو به في الطين والماء فهي لاتقبل لي ذلك، لأن من الصعب ذهاب بقع الطين منه، وتضطر في كل مرة هي وأمي الى استخدام مسحوق الكلور القوي الرائحة كان والدي يجلبه بأكياس ورقية تزودهم بها دائرة الصحة في المنطقة، يخلط مع مسحوق الغسيل آنذاك في عملية غسيل الملابس حتى تختفي البقع، وكم انسلخت أياديهن من استعمال الكلور الحارق من جراء عبثي بالطين . والملابس الجديدة يجب أن أحافظ على نظافتها لمجيء الضيوف. وفي كل مرة لاأسمع كلام جدتي وأمي وأتمرد عليهما بهدوء ورضا من دون أن أسبب لهما إزعاجا، وتمردي ليس صادرا من سوء أدب مني لكن يبدو هي من علامات الإصرار الشديد على الإتيان بفعل ما أراه مناسبا وبلغتُ درجة القناعة التامة به، كما أنا اليوم.
النساء اللائي يمارسن أعمالهن كل يوم على شاطئ النهر، كُنَّ يُسمعنني عبارات فيها تندّر وتعجّب؛ منها: أنتِ إبنة حضر ماهو شغلك بالطين، الطين لنا نحن أهل هذه المنطقة، ملابسك تتّسخ إدخلي في المنزل. لكني أُصر على البقاء.
يبدو كما فهمت من أهلي أن هذه المرة الثانية التي ننتقل فيها الى الجبايش، وقبلها كان في أواسط العام 1960، وهو الذي تولى فيه والدي أول عمل وظيفي يوم كانت أمي (رحمها الله) حاملا بي. فغادروها أهلي وأنا في عمر السنة الى الغراف.
روت لي جدتي لأبي، ووالدتي، وعمتي الصغيرة التي تكبرني بثمان سنوات أنّا كنا جيران والدة الأديب المرحوم الخالد(فهد الأسدي)، جدتنا الطيبة الحنونة الدافئة، التي أطلقتُ صرختي الأولى على يديها المباركتين، إذ كانت هي القابلة الوحيدة المتمرسة في الجبايش آنذاك. وهي أم وصديقة العائلة المقربة والحميمة لها. يبدو أني ولدت ُ بحضور إثنين من جداتي، جدتي لأمي، وجدتي لأبي. جدتي لأمي هي التي اختارت لي هذا الإسم. اشتقّته من رؤيا كانت أمي قد رأتها في المنام وهي حامل بي في شهرها الأخير؛ أن الشمس تنزل في حجرها بعد أن جاءها نداء من السماء سمعته يدعوها لأن تفرش ثوبها على الأرض لتستقبل الشمس. فامتثلت وفرشت ثوبها ونزلت الشمس فيه، بحسب رواية أمي حين نزلت الشمس في حجرها لم تعد تبصر شيئا من حدة نورها. وحين استفاقت أخبرت والدتها بالرؤيا. جدتي قالت لها: (أنت حامل ببنت مباركة و أسمها (إنتزال) لأن الشمس انتزلت في حضنك) (هذه نص العبارة لجدتي حفظتها عن أمي وأبي وجدتي لأبي). مما يثير دهشتي أن جدتي من أين أتت بالبلاغة واشتقت لي هذا الإسم علما أنها لم تدرس في مدرسة؟!!.
حين كبرتُ فهمتُ ذلك من منطق جدتي لأبي ووالدتي اللتين كانتا على الدوام تسمعانّي حكمهما البليغة، فأقول لهن: إذا كان هذا منطق جدتي وأمي إذن لاغرابة إن اشتقت جدتي لأمي رحمها الله إسمي. كان قصدها أن والدي للمرة الأولى يتولى عملا وظيفيا، فبحسب تفسيرها أن البركة حلّت في المنزل بولادتي.
جداتي على رواية أمي مؤمنات عابدات بفطرتهن السليمة العفوية. عارضتها جدتي لأبي وأسمتني (حنان) لأن الشمس بنظرها حنونة وهذا الإسم أجمل لي. وأسمتني فعلا حنان لسبعة أيام من ولادتي، لكن بعد ذلك انقلبت عليها جدتي لأمي وكانت مصرّة على تسميتي بهذا الإسم، وهنّ أخوات، صار سجال بينهن وربما حصل السجال بحضور جدتي (بيبي أم فهد)، أيهما ستحظى بتسميتي، وأخيرا انتصرت إرادة جدتي لأمي واستقر إسمي. وياليت إسمي بقى مستقرا على (حنان) لأن إسمي صعب لفظه وكتابته لدى أكثر الناس، وأضطر في كل مرة أكتبه بنفسي وأوضّح معناه، على امتداد عمري ، في كل مكان ... في المجتمع...في المدارس ... في الدوائر الرسمية...في المستشفيات؛ حيث يسألوني الناس عن معناه؛ آخرها كان قبل عامين في محكمة الكرادة ببغداد حين ذهبت بصحبة أخي أبي تكبير الأستاذ(عباس الجبوري)، لاستخراج وثيقة منها، فكانت في الدائرة موظفة جالسة في المكتب، سألتني عن إسمي: فأجبتها فاندهشت حين سماعها الإسم لأول مرة وعلى حد تعبيرها أنه جميل جدا، وبدت على وجهها علامة الإعجاب والارتياح، ودونته بالقلم على ورقة لديها، راودني شعور الغيرة على إسمي إذ أحب أن يبقى محافظا على فرادته في العالم العربي، ولاأحب أحداً سميّاً لي(هذه طرفة).
أينما وليتُ وجهي يسألونني عن معناه، والبعض يقولون لي: أن لديك أبا مثقفا أديبا ذا ذوق رفيع حين اختار لك هذا الإسم الجميل، وأقول لهم: أبي ليس له دخل بتسميتي؛ وإن كان معجبا بالإسم المقترح من قبل جدتي لأمي التي أسمتني.

(يتبع)
*سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
فهد الاسدي
الواقعية الملتزمة
التقويم
« ديسمبر 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          
التغذية الإخبارية